الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
منظمات الدعم والتنمية  في مرمى المساءلة

بواسطة azzaman

منظمات الدعم والتنمية  في مرمى المساءلة

هند الحافظ

 

ليست كل الأموال التي تُجمع باسم الفقراء تصل إلى الفقراء، وليست كل المشاريع التي تُرفع لها اللافتات تُحدث تغييرًا في حياة الناس. وبين الرسالة الإنسانية وأموال المنح، يبرز سؤال يزداد إلحاحًا: هل تخضع بعض منظمات الدعم والتنمية للمساءلة بالقدر الذي يتناسب مع حجم الأموال التي تديرها؟

إن نجاح العديد من التجارب لا يعني أن القطاع بأكمله بمنأى عن النقد أو المراجعة، فكلما ازدادت الأموال المخصصة للعمل الإنساني، ازدادت الحاجة إلى رقابة أشد، لأن أي خلل في إدارة المنح لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل ينعكس مباشرة على المواطن الذي ينتظر مدرسة، أو مركزًا صحيًا، أو فرصة عمل، أو مشروعًا يعيد إليه شيئًا من عزته. المشكلة لا تبدأ دائمًا بسرقة الأموال، بل قد تبدأ عندما تصبح المنحة هدفًا بحد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق التنمية. ففي بعض الحالات، يتحول الاهتمام إلى الفوز بأكبر عدد من المنح، بينما يتراجع السؤال الأهم: ماذا تغير فعلًا في حياة الناس بعد انتهاء المشروع؟

كثير من المشاريع تُعلن في مؤتمرات صحفية وترافقها حملات إعلامية واسعة، لكن أثرها الحقيقي لا يخضع لتقييم مستقل بعد أشهر أو سنوات. هل استمرت نتائج المشروع؟ وهل تحولت الدورات التدريبية إلى فرص عمل، أم بقيت مجرد نشاط انتهى بانتهاء التمويل؟ هذه الأسئلة لا تزال غائبة في حالات كثيرة، رغم أنها المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع تنموي. وتشير تحليلات عن واقع العمل التنموي في العراق إلى أن اعتماد عدد كبير من المنظمات على التمويل الخارجي جعل استدامة أنشطتها مرتبطة بتدفق المنح، الأمر الذي خلق تحديات تتعلق بتحديد الأولويات واستمرارية البرامج.

نتائج التقييم

ولا تقل الشفافية أهمية عن التمويل نفسه. فمن حق المواطن أن يعرف كيف تُدار الأموال المخصصة باسمه، وما حجم الإنفاق الإداري مقارنة بما يصل إلى المستفيدين، وكيف يتم اختيار الموظفين والمنفذين، وما هي نتائج التقييم النهائي للمشاريع. فالمال الإنساني ليس مالًا خاصًا، بل أمانة يفترض أن تُدار بأعلى درجات النزاهة والإفصاح. وعندما تغيب هذه الرقابة، تتسع مساحة الشك، فكل منظمة لا تنشر تقاريرها المالية، ولا توضح أثر مشاريعها، تترك فراغًا تملؤه التساؤلات، وهو ما يضر بسمعة القطاع كله، بما في ذلك المنظمات التي تعمل بمهنية وإخلاص.

ولا يقتصر الأمر على الإدارة المالية، بل يمتد إلى الحوكمة الداخلية. فالمنظمة التي تدعو إلى العدالة والمساواة مطالبة بأن تكون أول من يطبق معايير الكفاءة في التوظيف، وتكافؤ الفرص، ومنع تضارب المصالح، واحترام حقوق المتطوعين. أما إذا ضعفت هذه المعايير، فإن الثقة تبدأ بالتآكل من الداخل قبل الخارج.

وقد شدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق على أن تعزيز المساءلة، وتقوية الرقابة، ودعم دور المجتمع المدني والصحافة في متابعة قضايا الفساد، يمثل جزءًا أساسيًا من جهود بناء مؤسسات أكثر نزاهة. كما أوصى بتطوير آليات الرقابة والتشريعات وتعزيز قدرة الجهات الرقابية والقضائية على التعامل مع قضايا الفساد.

وفي الوقت نفسه، أظهرت تحقيقات صحفية دولية أن حتى البرامج الإنسانية الكبرى ليست بمنأى عن المخاطر. فقد نشرت صحيفة الغارديان عام 2024 تحقيقًا تضمن ادعاءات بوجود رشى وتضخيم في بعض العقود المرتبطة ببرنامج إعادة الاستقرار في العراق. وردّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتأكيد على سياسة «عدم التسامح مع الفساد»، وأعلن فتح مراجعات وتحقيقات مستقلة للنظر في تلك الادعاءات واتخاذ الإجراءات إذا ثبتت صحتها. وتبرز هذه الواقعة أهمية الرقابة المستمرة، لا باعتبارها دليلًا على فساد جميع البرامج أو المنظمات، بل لأنها تؤكد أن العمل الإنساني نفسه يحتاج إلى آليات مساءلة فعالة.

إن أخطر ما قد يواجه العمل التنموي ليس النقد، بل الصمت. فحين يخشى المجتمع من مساءلة من يدير الأموال المخصصة للفقراء، أو يعتبر أن المطالبة بالشفافية هجومًا على العمل الإنساني، فإن أول من يدفع الثمن هي المنظمات النزيهة التي تُحاسَب في نظر الناس بأخطاء غيرها.

فالرقابة ليست عائقًا أمام العمل الإنساني، بل الضمانة الحقيقية لاستمرار ثقة المجتمع والجهات المانحة. فإن أموال المنح ليست امتيازًا لأحد، بل أمانة، والتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بعدد الأسر التي تبدلت حياتها، والفرص التي صُنعت، والكرامة التي استُعيدت.


مشاهدات 32
الكاتب هند الحافظ
أضيف 2026/09/12 - 12:37 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 18919 الكلي 16551439
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير