الإمتحان الوطني
غزاي درع الطائي
ممتحنون نحن، فمن امتحان إلى امتحان، وربما تكالبت علينا الامتحانات، وصار بعضها يضرب بعضا لكثرتها، ونحن تحت أسنَّتها وبين أسنانها، والامتحان محنة، والمِحْنَة عند اللغويين: البلاءُ والشِّدَّة، وما يُمتحن الإنسانُ به من بليَّة، ومن تجربة شديدة مؤلمة، ولاسيما تلك التي تمتحن الشَّخصيَّةَ أو القدرةَ على التحمُّل، ومحنتنا ليست شخصية، بل وطنية، وامتحاننا ليس فرديا بل وطنيا، نحن ممتحنون اقتصاديا وسياسيا وأمنيا ومجتمعيا وثقافيا، وممتحنون في وطنيتنا التي لا يختلف على أولويتها المطلقة اثنان، ولو توقفنا عند واحد من أخطر امتحاناتنا وهو امتحان الفساد، الذي يعلن الجميع أنهم على حرب معه، ولكنه مستشرٍ ومستمر ويغطي حلقاتها جميعًا: عاليها ومتوسطها ودانيها، لوجب علينا أن نقول فيه الكثير، وعن الذين يروّجون له ويرعونه ويداهنونه في العلن أو في السر، نعم، نحن ممتحنون بالفساد، والفساد لا يسرق المال وحسب بل يسرق الحقوق، ويضيِّع المستقبل، ويخرِّب النفوس، ويحلِّل ما هو محرَّم، ويجعل المال العام بلا حرمة، ويتلاعب بالمكتوب والمقروء لكي يتمكن من العبور فوق القوانين التي تحاربه، الفساد خيانة للأمانة، وحرق للثقة، ومشجع للطامعين على تسلق نخيل المغامرة المرذولة للحصول على تمر الغنيمة الحرام. إن الفساد آفة الدولة، وعدوها اللدود، وسارق هيبتها، ومبدد سيادتها، فالسيادة تعني في بعض ما تعنيه أن يكون المال العام مصونًا تحت سلطة الدولة، وأن تكون حقوق الناس محفوظة بالقانون، وأن تكون الدولة راعية لها، ومحافظة عليها، وحافظة لها بالسلطة والقانون، ومن يتحدث عن السيادة لا بد له أن يعمل من أجل حرق الفساد عن آخر عود حطب تحت سيطرته، ومن أجل أن يكون حق الدولة مصانا ومهابا ومحفوظا، وحق الناس كذلك مصانا ومهابا ومحفوظا، ولا سلطة تعلو على سلطة الدولة، ولا سلطة لغير سلطة القانون. إن امتحاننا الوطني في مواجهة الفساد ليس امتحانًا في محاربة المال الحرام وحده، بل امتحانًا في حماية الدولة وصيانة الحقوق واستعادة الثقة بالقانون.