المطلوب عدالة إقتصادية تحفظ المال العام
إصلاح تسعير النفط لا يعني إضعاف الشركات الوطنية
انتظار العظيمي
لا خلاف على أن إصلاح المنظومة النفطية العراقية أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها ولا خلاف ايضا على أهمية مراجعة آليات الدعم ومعالجة التشوهات المالية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل إلى خزينة الدولة، بل يقاس ايضا بقدرته على بناء شركات وطنية قوية وقادرة على الإنتاج والاستثمار والمنافسةوهنا تبرز قضية شركات النفط الحكومية العراقية التي وجدت نفسها أمام تغيير كبير في معادلة تسعير النفط الخام المجهز لها، فقد أقر مجلس الوزراء آلية جديدة تقضي بشراء النفط الخام وفق سعر شركة تسويق النفط سومو أو السعر المثبت في الموازنة العامة أيهما أقل مع خصم 30 بالمئة اعتبارا من الأول من أيلول 2026على أن تسدد المبالغ لمصلحة الخزينة العامة. وفي المقابل يستمر دعم المنتجات النفطية الرئيسة
المجهزة للمواطنين مثل البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض والغاز السائل هذه الخطوة يمكن أن تكون جزءا من إصلاح اقتصادي صحيح ولكن بشرط أساس ألا تتحول عملية إعادة تسعير النفط الخام إلى وسيلة تجعل الشركات النفطية الحكومية تبدو خاسرة بسبب قرارات التسعير التي تفرض عليها.
من يتحمل كلفة الدعم؟
السؤال الحقيقي ليس: هل ندعم المواطن أم لا؟
بل السؤال:
من يتحمل كلفة دعم المواطن؟
إذا كانت الدولة تريد أن تبيع النفط الخام لشركاتها بسعر أقرب إلى السعر الاقتصادي ثم تلزم هذه الشركات ببيع المنتجات للمواطن بأسعار مدعومة فإن الفرق بين كلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي يجب أن يسجل بوضوح باعتباره دعما حكوميا.أما أن تتحمل الشركة النفطية هذا الفرق من أرباحها ثم يقال بعد ذلك إن الشركة خاسرة فهذا ليس إصلاحا ماليا عادلا.. الدعم الموجه للمواطن شيء.وخسارة الشركة بسبب تسعير حكومي مفروض عليها شيء آخر تماما.وهنا يجب الفصل بين الحسابين.
ليست مجرد أرقام
الشركات النفطية العراقية الحكومية تمتلك بنية تحتية ضخمة وخبرات بشرية تراكمت عبر عقود.وراء كل مصفاة وشركة توزيع ونقل ومنشأة نفطية آلاف المهندسين والفنيين والعمال والموظفين الذين يعملون في قطاع استراتيجي يمس الأمن الاقتصادي والطاقة في العراق.لذلك فإن تقييم هذه الشركات يجب ألا يكون من خلال الربح والخسارة المحاسبية وحدهما.فإذا ارتفعت كلفة الخام نتيجة القرار الحكومي ثم بقي سعر المنتج للمواطن مدعوما فمن الطبيعي أن تتغير نتائج الشركة المالية.
لكن هذا لا يعني أن الإدارة فشلت.وقد لا يعني أن الشركة غير كفوءة.وقد يكون السبب ببساطة هو أن الدولة اتخذت قرارا اجتماعيا بدعم المواطن وجعلت الشركة تتحمل جزءا من كلفة هذا القرار.وهذا الفرق يجب أن يظهر في الحسابات.العدالة للشركات تعني عدالة في المحاسبة إذا كانت الحكومة تريد تحويل الشركات النفطية الحكومية إلى شركات تعمل وفق قواعد اقتصادية فإن عليها أن تمنحها في الوقت نفسه جميع مقومات العمل الاقتصادي الحقيقي.
أي:
سعر شراء عادل للخام.
كلفة تكرير محسوبة بصورة علمية.
أسعار بيع واضحة.
هامش ربح معقول.
تعويض حكومي واضح عن الدعم الموجه للمواطن.
تمويل حقيقي للصيانة والتأهيل.
تخصيصات للاستثمار والتطوير.
ومحاسبة إدارية حقيقية على الهدر والفساد وسوء الإدارة.
أما أن تتحمل الشركة كلفة الدعم ثم تتم محاسبتها على
أنها شركة خاسرة فهذا يخلق صورة غير عادلة عن أداء القطاع النفطي الحكومي.
لا تجعلوا الخسارة المحاسبية مقدمة للخصخصة
هناك نقطة أكثر حساسية يجب الانتباه إليها.
إذا جرى تحميل الشركات النفطية الحكومية تكاليف إضافية دون احتساب الدعم الحكومي بصورة مستقلة فقد تظهر بعض الشركات خلال السنوات المقبلة بأرقام مالية ضعيفة.
ومن هنا قد يبدأ الحديث عن:
إعادة الهيكلة.
تقليص العمالة.
بيع الأصول.
تحويل الشركات إلى استثمارات خاصة.
أو خصخصة بعض النشاطات.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحا:
هل الشركة خاسرة فعلا بسبب ضعف الإدارة والإنتاجية أم أنها تظهر خاسرة لأنها تتحمل سياسة دعم حكومية؟
التمييز بين الحالتين ضرورة وطنية.
المواطن يجب أن يبقى أولا في المقابل لا يمكن تجاهل الهدف الاجتماعي للإصلاح.
المواطن العراقي يجب ألا يتحول إلى الطرف الذي يدفع ثمن أي إصلاح مالي.وقد أكدت الحكومة أن المنتجات الرئيسة المجهزة للمواطنين ستبقى ضمن الاستثناء من رفع الدعم، وهو ما يعني أن تغيير سعر الخام لا يعني تلقائيا رفع سعر البنزين للمواطن
لكن استمرار الدعم يحتاج إلى نظام مالي شفاف.فإذا ارتفعت كلفة الخام وارتفعت معها كلفة إنتاج المنتجات النفطية فإن الدولة يجب أن تعرف بدقة حجم الدعم الذي تتحمله.الإصلاح الحقيقي يبدأ من كشف الكلفة الحقيقية نحن بحاجة إلى معادلة واضحة:
كلفة الخام + كلفة التكرير + كلفة النقل والتوزيع + هامش الربح = الكلفة الاقتصادية الحقيقية للمنتج.
دعم حكومي
بعد ذلك تحدد الدولة سعر البيع للمواطن. والفرق بين السعر الاقتصادي والسعر المدعوم يسجل كدعم حكومي واضح.
بهذه الطريقة نستطيع أن نعرف:
كم يكلف دعم المواطن؟
كم تحقق الشركة من أرباح؟
أين تذهب الإيرادات؟
ما حجم الهدر؟
ما حجم كلفة العمالة؟
وما مقدار الأموال التي تحتاجها الصيانة والاستثمارات؟
وهذا ما يجعل الإصلاح حقيقيا وليس مجرد نقل للأرقام من حساب إلى آخر.
الموظف النفطي ليس الحلقة الأضعف
وفي خضم هذا الإصلاح يجب ألا يتحول العامل والمهندس والفني والموظف النفطي إلى الحلقة الأضعف.
فالحوافز والمخصصات المرتبطة بالإنتاج لا ينبغي أن تعامل باعتبارها امتيازا يمكن إلغاؤه بمجرد تغيير طريقة احتساب سعر الخام.
إذا كانت الدولة تريد زيادة الإنتاجية فعليها أن تربط المكافأة بالإنتاج والإنجاز والسلامة والكفاءة أما إلغاء الحوافز التي تشكل جزءا من منظومة تحفيز العاملين ثم مطالبتهم بمستويات أعلى من الإنتاج فسيؤدي إلى نتيجة عكسية.لا يمكن بناء شركة نفطية قوية من خلال إضعاف العاملين فيها.
نحتاج إلى معادلة رابح رابح
الإصلاح النفطي المطلوب في العراق يجب أن يحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد:
أولا: حماية المال العام.
ثانيا: حماية المواطن ودعم المنتجات الأساسية التي يحتاجها.
ثالثا: حماية الشركات النفطية الحكومية من أن تتحول إلى شركات خاسرة بسبب قرارات تسعيرية لا تتحكم بها.
وهذه ليست مطالب متناقضة.بل يمكن تحقيقها من خلال نظام محاسبي واضح يفصل بين:
الدعم الاجتماعي.
وأداء الشركة.
وإيرادات الخزينة.
وتكاليف الإنتاج
إن إعادة تسعير النفط الخام خطوة كبيرة في الاقتصاد النفطي العراقي، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد عملية حسابية لزيادة إيرادات الخزينة.
فالنفط ليس مجرد برميل يباع ويشترى.
إنه اقتصاد دولة كاملة.والمصفاة ليست مجرد مصنع.إنها استثمار وطني.والموظف النفطي ليس مجرد رقم في جدول الرواتب.
إنه جزء من منظومة الإنتاج الوطني.
لذلك فإن المطلوب من الحكومة ليس التراجع عن الإصلاح، وإنما تطوير الإصلاح ليكون عادلا وشفافا.
نريد خزينة أقوى.ونريد مواطنا محميا.
ونريد شركات نفطية حكومية رابحة وقادرة على المنافسة.ونريد موظفا نفطيا يشعر أن الدولة تقدر إنتاجه وخبرته وجهده.
الإصلاح الحقيقي لا يكون بإفقار الشركة الوطنية حتى يبدو دفتر الدولة رابحا، وإنما ببناء منظومة تجعل الدولة والمواطن والشركة والعامل جميعا رابحين.