هرمز تحت الضغط.. كيف يحمي العراق شريان بتروله؟
وفاء الفتلاوي
أعادت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد العراقي والمتمثل في مدى قدرة البلاد على الاستمرار في تصدير نفطها وتأمين إيرادات موازنتها إذا تعرض هذا الممر الحيوي إلى اضطراب طويل.
وتكمن المشكلة في أن العراق لا يعتمد على هرمز بوصفه طريقا تجاريا فحسب، بل يرتبط به جزء كبير من منظومة تصدير النفط فمعظم الخام العراقي يأتي من الحقول الجنوبية، ويغادر البلاد عبر موانئ الخليج، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة انعكاسا مباشرا على الصادرات والإيرادات العامة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن خطورة المسألة تتجاوز خسارة عوائد بيع النفط إلى التأثير في قدرة الدولة على تمويل نفقاتها الأساسية، من رواتب وأجور ومعاشات وخدمات ومشاريع فكل انخفاض كبير في الكميات المصدرة يعني فجوة محتملة في الإيرادات، خصوصا أن الموازنة العراقية ما زالت شديدة الاعتماد على النفط.
ولا تقتصر التداعيات على انخفاض الصادرات، إذ يمكن أن تؤدي المخاطر الأمنية في المنطقة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وتدفع شركات الشحن إلى التعامل بحذر أكبر مع الناقلات المتجهة إلى الموانئ العراقية وفي هذه الحالة، يصبح النفط العراقي أكثر كلفة في الوصول إلى الأسواق، حتى لو بقي الطلب العالمي عليه مرتفعا.
لكن الأزمة تحمل في المقابل فرصة مهمة للعراق، تتمثل في إعادة ترتيب سياسة تصدير النفط على أساس تعدد المنافذ بدلا من الاعتماد الكبير على طريق واحد.
ويبرز خط كركوك–جيهان كأقرب البدائل العملية، لكونه يربط العراق بالبحر المتوسط بعيدا عن مضيق هرمز وقد عادت بغداد إلى تفعيل هذا المسار ورفع صادراته، إلا أن قدرته الحالية لا تكفي لتعويض كامل الكميات التي يمكن أن تمر عبر الموانئ الجنوبية.
أما مشروع نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، فيمكن أن يشكل مستقبلا مسارا استراتيجيا مهما، خصوصا إذا وصلت طاقته إلى مستويات كبيرة لكنه خيار يحتاج إلى سنوات من العمل واستثمارات ضخمة، فضلا عن تحديات سياسية وأمنية وفنية مرتبطة بالمنطقة.
خيار آخر
ويأتي طريق البصرة–العقبة كخيار آخر يمكن أن يمنح العراق منفذا باتجاه البحر الأحمر، لكنه أيضا لا يمثل حلا فوريا، بسبب العقبات التي حالت دون تحوله إلى مشروع تشغيلي قادر على نقل كميات كبيرة من النفط.
ويرى محللون في شؤون الطاقة أن هذه الخيارات تؤكد حقيقة مهمة: العراق يمتلك بدائل لهرمز، لكنه لا يمتلك حتى الآن بديلا واحدا جاهزا يستطيع أن يحل محله بالكامل.
وهنا تكمن إحدى سلبيات الاعتماد على البدائل البرية نفسها، إذ إن خطوط الأنابيب العابرة للحدود تجعل العراق مرتبطا بالدول التي تمر عبرها، ما يعني أن أي خلاف سياسي أو أمني أو اقتصادي يمكن أن يؤثر في تدفق النفط. كما أن إنشاء خطوط جديدة يحتاج إلى مليارات الدولارات ووقت طويل قبل أن يتحول إلى طاقة تصديرية فعلية.
ومع ذلك، فإن تعدد المسارات يبقى أفضل من الاعتماد على منفذ واحد فامتلاك العراق أكثر من طريق للتصدير يمنحه مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، ويعزز قدرته على حماية إيراداته، ويمنحه مساحة أوسع في التعامل مع الأسواق وشركات النقل.
لكن المشكلة الأعمق لا تتعلق بهرمز وحده.
فالاقتصاد الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط سيبقى معرضا للصدمات حتى لو امتلك عدة منافذ للتصدير. ولذلك فإن تأمين طرق النفط يجب أن يترافق مع إصلاح اقتصادي أوسع، يقوم على تنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، وتقليل اعتماد الموازنة على مورد واحد.
ويقول مراقبون إن أزمة هرمز قد تكون فرصة لإعادة تعريف مفهوم الأمن الاقتصادي في العراق، بحيث لا تقتصر حماية الثروة على حماية الحقول، وإنما تشمل أيضا الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البديلة، وصولا إلى بناء اقتصاد قادر على تحمل الأزمات.
وبينما يبقى هرمز في المدى القريب ممرا يصعب الاستغناء عنه بالكامل، فإن استمرار الاعتماد عليه بالدرجة الحالية يمثل نقطة ضعف ينبغي معالجتها.
فالعراق لا يحتاج إلى طريق واحد بديل عن هرمز، بل إلى شبكة متكاملة من المسارات، تجعل تعطيل أي طريق غير قادر على تعطيل الاقتصاد كله.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العراق يستطيع الاستغناء عن هرمز اليوم، بل ما إذا كان يستطيع أن يبني خلال السنوات المقبلة اقتصادا وتصديرا يجعلان هرمز أحد الخيارات، لا الخيار الوحيد.