الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من قسد إلى بغداد.. إيجار الجغرافيا لا يمنح سند ملكية

بواسطة azzaman

من قسد إلى بغداد.. إيجار الجغرافيا لا يمنح سند ملكية

كاظم نزار الركابي

 

دخل مظلوم عبدي قصر دمشق حاملاً اسماً ملأ خرائط الحرب، وخرج تاركاً ذلك الاسم وراءه. وبعد يومين، عاد إلى القصر بصفة أخرى: مستشاراً للرئيس.

بقي الرجل، وسقطت الخريطة.

بين الصفتين انتهت قوات سوريا الديمقراطية قوةً مستقلة، وبدأ دمج مقاتليها في الجيش السوري، وعادت مؤسسات الإدارة الذاتية إلى الدولة. لم تمحُ دمشق قائد قسد حين استعادت الجغرافيا؛ فصلت بين حق الرجل في السياسة وحق السلاح في الاستقلال. أبقته داخل الدولة، وأخرجت القرار العسكري من خارجها.

هنا يكتمل معنى الحدث. فالدولة لا تنتصر حين تهزم أبناءها، إنما حين تستعيدهم من الكيانات التي قامت بينها وبينهم. ومظلوم عبدي الذي قاد قوة بسطت نفوذها على ما يقرب من ربع سوريا، لم يعد يحمل حق إصدار الأمر المستقل. انتقل اسمه من قيادة الخريطة إلى العمل داخل الدولة.

قسد لم تصل إلى دمشق على حصان المنتصر، ولم تدخلها أسيرة في قفص المهزوم. وصلت بعدما تغيرت الموازين، وخسرت معظم نفوذها، وأعادت واشنطن ترتيب علاقتها بسوريا الجديدة. اختارت ما تبقى لها من السياسة قبل أن يأخذ الميدان ما تبقى لها من الجغرافيا.

حماية خارجية

واشنطن أنهت وظيفة الحليف، ودمشق استعادت الرجل. وبين الفعلين انطوت خريطة ظنت أن الحماية الخارجية تستطيع أن تتحول، مع مرور الزمن، إلى سيادة دائمة.

الحماية الخارجية عقد إيجار، لا سند ملكية. وما لا تمنحه الجغرافيا لا تستطيع الطائرات أن تفرضه إلى الأبد.

ثم جاءت بغداد إلى المرآة. رحبت وزارة الخارجية العراقية بالاندماج بوصفه تعزيزاً لسيادة سوريا ووحدتها. وحين ترحب الدولة بدرس خارجها، يبدأ امتحانه داخلها.

ومن هذا الامتحان تخرج ثلاث رسائل إلى العراق.

تصل الرسالة الأولى إلى كل بندقية عراقية تعتقد أن تاريخها يمنحها حقاً دائماً إلى جوار الدولة. التضحيات تصنع مكاناً في الذاكرة، ولا تصنع دولة داخل الدولة. ومن قاتل الإرهاب يستحق كرامة الوطن، لا امتيازاً فوق سيادته. فالدم لا يصان بتحويل صاحبه إلى قوة موازية، إنما بإدخاله في مؤسسة لا تتعدد فيها الأوامر.

في العراق، تعلمت الجماعات المسلحة كيف تدخل الموازنة من دون أن تدخل الدولة. صار الراتب حكومياً، والقرار بقي في مكان آخر. لبس المقاتل زياً رسمياً، وظلت البندقية تحفظ ذاكرتها وصلاتها وساعتها الخاصة. نجح الاستيعاب الوظيفي، وتأجل الاندماج السيادي. فالمؤسسة الواحدة توحّد الإرادة التي تحركها.

الدولة لا تبدأ حين يدخل المقاتل ثكنتها؛ تبدأ حين لا يعود في البلاد أمر عسكري يولد خارجها.

وفي الثلاثين من أيلول، تنتهي مهمة التحالف الدولي وتغادر قواته، وهو التاريخ نفسه الذي وضعته بغداد امتحاناً لحصر السلاح. بعده لن تبقى مظلة أجنبية تبرر بندقيةً في الداخل، ولا ذريعة داخلية تستدعي مظلةً من الخارج. السيادة تطلب رحيل الجندي وانتهاء الحاجة التي استدعته.

أما الرسالة الثانية، فتصل إلى أربيل من بوابة أكثر حساسية. إقليم كردستان ليس إدارة نشأت في فراغ الحرب، ولا سلطة مؤقتة حمتها طائرات أجنبية. إنه إقليم اتحادي اعترف به الدستور، والكرد شركاء في الدولة، واللغة الكردية رسمية، والفدرالية جزء من العقد الوطني. هذه الحقائق تحمي الإقليم داخل العراق، ولا تحمله إلى خارجه.

ما انتهى في شمال شرقي سوريا لم يكن الحق الكردي، إنما الرهان على تحويل الحماية الدولية إلى حدود دائمة. بقي الكرد وهويتهم، وانتهت القوة المستقلة وخريطتها العسكرية. ودخلت الحقوق في الدولة، فيما خرج السلاح من معادلة السيادة.

هنا يغدو ترحيب نيجيرفان بارزاني بالاندماج اعترافاً هادئاً أن مستقبل الكرد لا يصان بدولة تنتزعها لحظة اضطراب، إنما بعقد دستوري يجعلهم شركاء حقيقيين.

الفدرالية بيت من القانون؛ الانفصال خيمة في مهب المصالح.

والآن يقترب عقد الإيجار من نهايته الحرفية. ففي الثلاثين من أيلول تنتهي مذكرة الدعم الأميركية للبيشمركة الموقعة عام 2016 والممدَّدة عام 2022، بالتزامن مع رحيل قوات التحالف الدولي نفسها. وفي موازنة البنتاغون المقترحة، ينحدر بند رواتب البيشمركة من مئة وخمسة وثلاثين مليون دولار عام 2024 إلى الصفر هذا العام. لم يصدر قرار نهائي بقطع كل التعاون، وهذه دقة لا يجوز أن نذبحها من أجل حرارة العبارة. الدلالة اكتملت: الخارج يموّل وظيفة، ولا يمنح وطناً.

ومن يملك سنداً دستورياً عراقياً لا ينبغي أن يبقى أمنه معلقاً بعقد أجنبي ينتهي أو يتجدد. ضمان البيشمركة الأبقى ليس دوام المانح، إنما توحيدها تحت مؤسستها الرسمية، وإنهاء ازدواج الأمر الحزبي، وربط تمويلها بالعقد الاتحادي. لا سلاح حزبي داخل الإقليم، كما لا سلاح فصائلي فوق الدولة.

إلى أربيل، تقول قسد: لا تراهنوا على نافذة أجنبية أكثر من رهانكم على باب عراقي. العواصم البعيدة تمنح السلاح وتفتح الممرات؛ أما الجغرافيا فأشد حضوراً من وعودها. وحين تتغير المصالح، يطوي الحليف البعيد خريطته، ويبقى الشعب أمام جيرانه ودولته.

اعادة الجغرافيا

الرسالة الثالثة هي الأخطر، وتتجه إلى بغداد. فإذا قرأت حلّ قسد انتصاراً للمركز على الأطراف، فستفهمه بعين السلطة وتفقد معناه بعين الدولة. سوريا لم تستعد شمالها الشرقي بمحو الكرد، إنما بإعادة الجغرافيا والاعتراف بالحقوق. اعترفت بالكردية لغة وطنية، وأعادت الجنسية إلى من حرموا منها، واعتمدت نوروز عطلة وطنية.

الجيش الواحد أعاد الجغرافيا، والاعتراف بالحقوق بدأ يعيد أصحابها إلى الدولة. وجاء تعيين مظلوم عبدي مستشاراً رئاسياً ليضع المعادلة في صورتها الأوضح: لا قيادة عسكرية خارج الدولة، ولا إقصاء سياسي داخلها. انتهى السلاح المستقل، وبقي لقائده مكان في الوطن.

لا تستطيع بغداد أن تطلب من أربيل إغلاق باب الانفصال، ثم تترك باب الشراكة موارباً.

ولا تستطيع أن ترفع الدستور في وجه من يحلم بالخروج، ثم تخفضه حين يطالب الإقليم بحصته من الثروة واختصاصاته وضماناته. فالدستور ليس سوراً يحبس الإقليم داخل العراق؛ إنه الجسر الذي يجعل بقاءه فيه اختياراً حراً.

الدولة القوية لا تقيس قوتها بما تنتزعه من أطرافها، إنما بما تمنحها من أسباب للبقاء. كل مركز تخشاه أطرافه يزرع موعداً للانفصال، والمركز الذي ينصف الجميع يحوّل الحدود الداخلية إلى خطوط إدارة، لا شقوقاً تنتظر أول زلزال.

من هنا تُبنى وحدة العراق: بإلغاء الحاجة إلى مغادرته، لا بإلغاء كردستان. دولة تتحدث بلغتين، وتضم هويات متعددة، وتوزع الثروة بعدالة، وتحمل بندقية واحدة.

حين أعادت قسد الجغرافيا إلى الدولة، رفعت مرآة أمام العراق. ظهر فيها سلاح دخل المؤسسة وبقي قراره خارجها، وإقليم دخل الدستور وما زال يشك في عدالته، وعاصمة تطلب الوحدة قبل أن تستكمل شروطها.

تلك هي الرسائل الثلاث: إلى الفصائل أن زمن الشرعيات المسلحة أقصر من ذاكرة أصحابها، وإلى الإقليم أن الفدرالية الدستورية أبقى من تمويل الحليف ومظلة الانفصال، وإلى بغداد أن الوطن لا يتوحد بالعلم وحده، إنما بالعدل الذي يجعل جميع أبنائه يريدون الوقوف تحته.

لا سلاح فوق الدولة، ولا إقليم خارجها، ولا وحدة حقيقية إذا خرجت العدالة منها. فمن يحمل البندقية خارج الأمر الوطني يقسم السيادة، ومن يرسم الخريطة خارج العقد الدستوري يقسم الوطن، ومن يطلب الوحدة بلا عدالة يقسم الشعب.

وحين تنقسم هذه الثلاث، لا تبقى دولة لتُحمى.

 


مشاهدات 60
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/08/31 - 5:00 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 115 الكلي 16132636
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير