الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجامعة لم تعد جامعة.. العراق خارج شنغهاي

بواسطة azzaman

الجامعة لم تعد جامعة.. العراق خارج شنغهاي

عبد الجليل البدري

 

لم يكن خروج الجامعات العراقية من تصنيف شنغهاي لعام 2026 مفاجئًا، بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من الانحدار. فالجامعة العراقية لم تُقصَ من التصنيف لأن شنغهاي قاسٍ، بل لأنها لم تعد تنتج ما يمكن أن يُصنّف. ولأن العلم لم يعد علمًا، ولأن الدولة لم تعد دولة، ولأن المؤسسة الأكاديمية لم تعد مؤسسة، بل أصبحت في كثير من الأحيان مسرحًا للولاءات، وممرًا للترقيات، ومخزنًا للشهادات.

هذه ليست مبالغة، بل حقيقة قالها الأساتذة الكبار بصراحة لا تعرف المجاملة.

البروفسور محمد الربيعي… التشخيص الذي لا يرحم

حين كتب البروفسور محمد الربيعي مقالته “قصتنا مع شنغهاي”، لم يكن يعلّق على ترتيب، بل كان يكتب شهادة وفاة لفلسفة تعليمية فقدت صلتها بالعلم. قالها بوضوح:

شنغهاي لا يقيس الأبنية ولا عدد الطلبة، بل يقيس الأثر المعرفي.” ثم أضاف ما هو أخطر: “غياب العراق عن التصنيف ليس مشكلة ترتيب، بل أزمة وجودية في فلسفة التعليم العالي ذاته.”

هذا الكلام ليس رأيًا، بل حكمًا علميًا نهائيًا جامعات العراق لم تنتج خلال عقود طويلة ما يستحق أن يُصنّف.:

د. همام الشريفي… حين تتقاطع الأخلاقيات مع المعرفة

في تعقيبه العلمي حول أخلاقيات الطب، كشف د. همام الشريفي أن المؤسسات التي لا تُدار بعدالة لا يمكن أن تنتج معرفة عادلة. فالتحيزات، والخوف، والبيروقراطية، كلها عوامل تقتل روح البحث العلمي قبل أن تقتل الباحث نفسه.

د. مظهر… المعرفة لا تزدهر في بيئة غير عادلة

أشار د. مظهر إلى أن غياب العدالة المؤسسية يخلق فجوة ثقة بين الباحث والمؤسسة، وأن هذه الفجوة كفيلة بإسقاط أي منظومة علمية مهما كانت مواردها.

د. محمد فخري المولى… الدولة التي لا تُحترم لا تُنتج جامعة محترمة

في قراءته الاجتماعية، ربط د. محمد فخري المولى بين أزمة الكهرباء، وأزمة الإدارة، وأزمة الدولة، ليقول ما لم يجرؤ كثيرون على قوله:

حين تكون العشيرة أقوى من الدولة، والميليشيا أقوى من القانون، لا يمكن للجامعة أن تكون أقوى من الجهل.”

باحثون آخرون… حين يصبح الحصول على البيانات معركة

أشار عدد من الباحثين إلى أن الحصول على بيانات بحثية في العراق يحتاج إلى موافقات لا تنتهي، وأن المختصين من خارج الجامعة ممنوعون من الإشراف، وأن البيروقراطية تقتل البحث قبل أن يبدأ.

هذه ليست تفاصيل إدارية، بل عوائق بنيوية تمنع أي بحث من الوصول إلى مستوى عالمي.

خطة إصلاح ممكنة رغم التعسر المالي

قد يبدو الإصلاح مستحيلًا في ظل التعسر المالي، لكن الحقيقة أن أغلب الإصلاحات لا تحتاج إلى مال… بل تحتاج إلى قرار. فالمال وحده لا يصنع جامعة، والدليل أن دولًا فقيرة دخلت التصنيفات العالمية لأنها احترمت العلم قبل أن تموّله.

إصلاح الدراسات العليا دون دولار واحد

يمكن للدولة أن تُحدث ثورة في الدراسات العليا دون أن تنفق شيئًا، عبر:

•             توحيد معايير تقويم الرسائل والأطروحات وفق نماذج عالمية.

•             منع الاجترار وإلزام الباحثين بموضوعات أصيلة مرتبطة بسوق العمل.

•             اعتماد لجان تقويم خارجية مستقلة من داخل العراق.

هذه الإجراءات لا تحتاج مالًا، بل تحتاج إرادة.

إصلاح البحث العلمي بتغيير قواعد اللعبة

بدلًا من تمويل بحوث لا قيمة لها، يمكن للدولة أن تغيّر قواعد اللعبة:

•             الترقيات تُمنح فقط للنشر في مجلات Q1.

•             إلغاء المجلات الوهمية.

•             دعم البحوث التطبيقية التي تخدم الصناعة والزراعة والطاقة.

هذه الإجراءات لا تحتاج مالًا، بل تحتاج شجاعة.

إصلاح الجامعات الأهلية بلا تكلفة

يمكن للدولة أن تُعيد هيكلة الجامعات الأهلية عبر:

•             إغلاق الجامعات غير المستوفية للمعايير.

•             تحويلها إلى معاهد تقنية.

•             منع منح الشهادات العليا لمدة خمس سنوات.

هذه الإجراءات لا تحتاج مالًا، بل تحتاج جرأة.

إصلاح الحوكمة الجامعية بلا ميزانية

يمكن للجامعة أن تستعيد استقلالها عبر:

•             انتخاب القيادات الأكاديمية وفق معايير كفاءة.

•             إنهاء المحاصصة في التعيينات.

•             حماية الأستاذ من الضغوط السياسية والعشائرية.

هذه الإجراءات لا تحتاج مالًا، بل تحتاج قرارًا.

ربط الجامعة بسوق العمل دون تكلفة

يمكن للجامعة أن تصبح جزءًا من الاقتصاد عبر:

•             تحويل البحوث إلى مشاريع تطبيقية.

•             التعاون مع القطاع الخاص.

•             إنشاء مراكز بحثية داخل الأقسام باستخدام الموارد المتاحة.

هذه الإجراءات لا تحتاج مالًا، بل تحتاج رؤية.

الخلاصة:

العراق لا يحتاج إلى مال ليعود إلى شنغهاي… بل يحتاج إلى احترام العلم

إن ما قاله الأساتذة الكرام—البروفسور محمد الربيعي، د. همام الشريفي، د. مظهر، د. محمد فخري المولى، وغيرهم—ليس نقدًا، بل خارطة طريق. وما أقدمه هنا ليس حلمًا، بل خطة إصلاح ممكنة التطبيق رغم التعسر المالي.

العراق لا يحتاج إلى مال ليعود إلى شنغهاي… بل يحتاج إلى جامعة تُحترم، دولة تُحترم، وباحث يُحترم.

وحين يتحقق ذلك، لن يكون شنغهاي هدفًا بعيدًا، بل نتيجة طبيعية لبلد قرر أن يحترم العلم.


مشاهدات 54
الكاتب عبد الجليل البدري
أضيف 2026/08/31 - 5:00 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 115 الكلي 16132636
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير