الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهند وأوزبكستان.. شراكة تتجاوز التاريخ نحو المستقبل

بواسطة azzaman

الهند وأوزبكستان.. شراكة تتجاوز التاريخ نحو المستقبل

أحمد جاسم الزبيدي

 

في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، لم تعد العلاقات بين الدول تقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على بناء شراكات استراتيجية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل. ومن هذا المنطلق تبرز العلاقات بين الهند وأوزبكستان بوصفها واحدة من أكثر العلاقات نمواً وحيوية في آسيا، مستندة إلى إرث تاريخي وثقافي عريق، ومتجهة في الوقت ذاته نحو آفاق اقتصادية واستراتيجية واسعة.

وتأتي الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى أوزبكستان في التاسع والعشرين من آب الجاري لتؤكد المكانة المتنامية التي تحتلها طشقند في السياسة الخارجية الهندية، كما تعكس حرص أوزبكستان الجديدة بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف على توسيع شبكة شراكاتها الدولية مع القوى الاقتصادية الصاعدة في العالم.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في مرحلة تشهد فيها آسيا الوسطى تصاعداً ملحوظاً في أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية. فمع تزايد الاهتمام العالمي بأمن الطاقة والمعادن النادرة وسلاسل النقل والتجارة الدولية، أصبحت المنطقة محوراً للتنافس والتعاون بين القوى الإقليمية والدولية، فيما تبرز أوزبكستان بوصفها الدولة الأكثر سكاناً في آسيا الوسطى وأحد أهم المراكز الاقتصادية الصاعدة فيها.

وقبل زيارة مودي، قام وزير الخارجية الأوزبكي بختيار سعيدوف بزيارة رسمية إلى الهند أجرى خلالها مباحثات مع وزير الخارجية الهندي الدكتور إس. جايشانكار، كما التقى رئيسة الهند دروبادي مورمو. وقد عكست هذه الزيارة مستوى التنسيق السياسي المتقدم بين البلدين وحرصهما على تهيئة الأرضية المناسبة لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي.

عمق الروابط

ولا تنطلق العلاقات الهندية الأوزبكية من فراغ، فالتاريخ يشهد على عمق الروابط التي جمعت شعوب شبه القارة الهندية ببلاد ما وراء النهر منذ قرون طويلة. فعبر طريق الحرير الشهير انتقلت القوافل التجارية والعلماء والمفكرون والثقافات بين الجانبين، وتبادلت الشعوب السلع والمعارف والأفكار، ما أوجد جسوراً حضارية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

ومنذ استقلال أوزبكستان عام 1991 كانت الهند من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وأقامت معها علاقات دبلوماسية رسمية في الثامن عشر من آذار عام 1992. ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقات الثنائية تطوراً مستمراً، إلا أن السنوات الأخيرة حملت زخماً غير مسبوق بفضل الإرادة السياسية المشتركة لدى قيادتي البلدين.

فقد التقى الرئيس شوكت ميرضيائيف ورئيس الوزراء ناريندرا مودي في أكثر من مناسبة دولية، كان أبرزها مؤتمر المناخ العالمي «كوب 28» في دبي وقمة مجموعة «بريكس» في مدينة قازان الروسية، إضافة إلى الاتصالات الهاتفية المنتظمة التي تناولت ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والاستراتيجي.

واليوم لم تعد العلاقات بين نيودلهي وطشقند مقتصرة على التمثيل الدبلوماسي أو التبادل التجاري التقليدي، بل توسعت لتشمل قطاعات حيوية مثل الصناعات الدوائية والرعاية الصحية والزراعة والصناعات الغذائية وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والسياحة والطاقة.

ويبرز القطاع الدوائي باعتباره أحد أهم مجالات التعاون المستقبلية. فالهند تعد من أكبر منتجي الأدوية في العالم وتمتلك خبرات متقدمة في التقنيات الطبية الحديثة، الأمر الذي يجعلها شريكاً مثالياً لدول آسيا الوسطى الساعية إلى تطوير أنظمتها الصحية وتعزيز أمنها الدوائي.

كما تكتسب قطاعات التعدين والمعادن الاستراتيجية أهمية متزايدة في العلاقات الثنائية، حيث توفر أوزبكستان فرصاً واعدة للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية التي أصبحت تمثل ركائز أساسية للصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة.

ومن منظور اقتصادي أوسع، تنظر الهند إلى أوزبكستان باعتبارها بوابة طبيعية نحو أسواق آسيا الوسطى، بينما ترى أوزبكستان في الهند شريكاً اقتصادياً ضخماً يمتلك واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم وسوقاً استهلاكية يزيد عدد سكانها على مليار وأربعمائة مليون نسمة.

إن ما يميز العلاقات الهندية الأوزبكية اليوم هو أنها تجمع بين قوة التاريخ ومتطلبات المستقبل. فهي ليست علاقة تقوم على المصالح الآنية فقط، بل تستند إلى قاعدة حضارية وثقافية عميقة تمنحها الاستقرار والاستمرارية.

زيارة مرتقبة

وفي ظل التحديات الدولية الراهنة، من المتوقع أن تسهم الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى طشقند في إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية، وأن تفتح آفاقاً أوسع للتعاون في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والنقل والصحة والتعليم.

ومن المرجح أن تتجاوز نتائج هذه الزيارة حدود البلدين لتنعكس على مجمل منطقة آسيا الوسطى، خاصة في ظل تنامي الحضور الاقتصادي والسياسي للهند في المنطقة وسعيها إلى لعب دور أكبر في مشاريع الربط الإقليمي والتعاون الاقتصادي.

لقد دخلت العلاقات بين الهند وأوزبكستان مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ومن طشقند إلى نيودلهي تتشكل اليوم ملامح تعاون طويل الأمد يقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة والرؤية المشتركة للمستقبل.

وإذا كان طريق الحرير القديم قد ربط بين الشعبين عبر التجارة والثقافة، فإن طريق التعاون الحديث يربطهما اليوم عبر الاستثمار والتكنولوجيا والتنمية، في شراكة تبدو مؤهلة لأن تصبح إحدى قصص النجاح البارزة في آسيا خلال العقود المقبلة.


مشاهدات 52
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/08/31 - 4:59 PM
آخر تحديث 2026/09/01 - 1:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 115 الكلي 16132636
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير