الوطنجي يتحول من سخرية إلى بيان
عبد الحق الناصري
في الصراعات السياسية الكبرى، لا تُحسم المعارك بالأسلحة وحدها؛ بل تلعب المفردات والمصطلحات الدور الأشد خطورة. يُطلق الخصوم عليك كلمةً بقصد الوصم والتسفيه، فتتلقفها لا لتعتذر عنها أو تدافع عن نفسك، بل لترفعها كراية فخر ورمز للانتماء. هذا السلوك الفكري، المعروف في علم الاجتماع السياسي بـ «إعادة امتلاك المفاهيم»، هو بالضبط ما يشهده الشارع السياسي العراقي اليوم مع مصطلح «الوطنجي».تاريخياً، وفي الأدبيات السياسية والإعلامية العربية، لم تكن مفردة «الوطنجية» تحمل أي طابع إيجابي؛ إذ كانت تُستخدم لوصف السطحية والمزايدة الوطنية، وأولئك الذين يتسترون بالشعارات الجوفاء للتغطية على الفساد أو لتكميم الأفواه. غير أن السياق العراقي المعقد خلال السنوات الأخيرة أعاد تدوير الكلمة بوظيفة مختلفة تماماً، لتتحول إلى أداة تهكم سياسي تُشهر في وجه كل من يطالب باستقلال القرار الوطني.أصبح يُشار بالبنان وبنبرة ساخرة إلى كل عراقي يرفض جعل بلاده ساحة خلفية لنفوذ القوى الإقليمية أو الدولية باعتباره «وطنجياً». كان الهدف الضمني لهذه الحملات هو تسفيه فكرة السيادة، وتصوير المطالبة بدولة مستقلة وكأنها مجرد مثالية خيالية أو جهل بطبيعة موازين القوى، سعياً لإجبار الشارع على الاختيار بين أشكال مختلفة من التبعية والارتهان للخارج.لكن ما لم يحسب له، هو أن الجيل الجديد من الشباب العراقي قرر قلب المعادلة بكفاءة عالية. لم ينكفئ هؤلاء أمام التندر السياسي، بل واجهوه بتحدٍّ صريح، مجردين الخصوم من سلاح السخرية حين أعلنوا تمسكهم بالكلمة ذاتها، ما دامت في جوهرها تعني الانحياز المطلق للعراق أولاً وأخيراً.لقد أعاد هذا التحول صياغة المفهوم ليعبر عن وعي ناضج يربط بوضوح بين السيادة التامة والمواطنة الجامعة. فلم تعد «الوطنجية» مجرد رد فعل، بل أصبحت ركيزة فكرية ترى في رفض الوصاية الخارجية القاعدة الأولى لبناء أي دولة محترمة، وتؤكد في الوقت ذاته أن مكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة لا يمكن أن يتحققا في ظل ارتهان الإرادة السياسية لأجندات عابرة للحدود.إن الفخر بتسمية «وطنجي» في العراق اليوم ليس مناكفة عابرة على منصات التواصل، بل هو إعلان عن قطيعة جيلية مع مرحلة تم فيها تسويق التبعية على أنها «حكمة»، وتبرير الارتهان بـ «الواقعية». هي معركة وعي استعاد فيها المجتمع حقه الأصيل في كتابة قاموسه السياسي الخاص، والتأكيد على أن الكرامة الوطنية لا تُسلب بكلمة ساخرة، بل تُصنع منها بياناً للسيادة.