الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التضليل السياسي في العراق.. تشكيل الوعي والرأي العام

بواسطة azzaman

التضليل السياسي في العراق.. تشكيل الوعي والرأي العام

وصال نجيب العزاوي

 

لابد من نافلة القول ان آليات الصراع المعلوماتي باتت من اهم الآليات القوية الصراعية في العالم ، فقد اضحت المعلومات قوة صراعية هائلة نتيجة تطور الوسائل والوسائط المعلوماتية ، كشبكات الانترنيت وتكنولوجيا الاتصالات وتقنيات وسائل الاعلام والتلفزة ، وهذه الوسائل والوسائط وحدة من مجموع الاسلحة السياسية الصراعية القوية التي تديرها العقول والمعارف والمعتقدات والايديولوجيات.

ومن اخطر وسائل « الصراع المعلوماتي « بين الامم هو الصراع « بالتضليل « : التضليل الذي يختلق بواسطة المعلومات المزيفة ، وقائع وهمية مزيفة ويقدم الصور والمشاهد المركبة ويعرضها على انها وقائع حقيقة ، وزيادة على ذلك فانه يتلاعب بالعقول والمسلكيات والمكونات السيكولوجية للافراد والشعوب ، وله مفاعيل خطرة في العمليات السياسية الداخلية والخارجية .

تضليل سياسي

كيف يستخدم التضليل السياسي للتأثير في ادراك الجمهور للوقائع وتوجيه مواقفه السياسية وأعادة تشكيل اتجاهاته الانتخابية والاجتماعية ؟ وتتفرع منها اسئلة :

مالمقصود بالتضليل السياسي ؟ ومالفرق بينه وبين الدعاية والشائعة والمعلومات المضللة ؟

من هم الفاعلون في صناعة التضليل السياسي ؟

ماابرز ادوات واساليب التضليل ؟

كيف تعمل وسائل التواصل الاجتماعي في انتاجه وانتشاره ؟

كيف يؤثر التضليل في الانتخابات والرأي العام والثقة بالمؤسسات ؟

 السؤال المركزي المهم وهو  « هل اصبح التضليل السياسي  مجرد اداة اعلامية ام تحول الى اداة لصناعة الواقع السياسي نفسه ؟ «

 الاطار النظري والمفاهيمي لمفهوم التضليل السياسي .

التضليل في اللغة :  مأخوذ من الفعل (ضل ) بمعنى حاد عن طريق الصواب او الهداية ، وأضللت فلانا اي ابعدته عن الحق ، اي انحرف عن الطريق الصحيح .

التضليل في الاصطلاح : تقديم معلومات ناقصة او محرفة او مزيفة بغرض التمويه وخلق واقع وهمي يخدم مصالح معينة ، هدفها تشتت العقل عن الحقائق  .

وحسب تعريف الامم المتحدة ( التضليل ) هو نشر معلومات خاطئة او كاذبة عن قصد وعمد لخداع الناس وتوجيه عقولهم بعيدا عن الحقيقة ، يختلف التضليل عن الخطأ العفوي : لانه يعتمد على نية سيئة تهدف الى التلاعب بالرأي العام او الحاق الضرر 

مفهوم التضليل السياسي :  يقصد به جميع الاساليب والتقنيات المستعملة من طرف اي جهة حكومية او غير حكومية كالاحزاب والاشخاص من اجل تقديم معلومات واخبار وبيانات هدفها تمويه او مخادعة الفرد وتغليطه ، بالاضافة الى تغيير اهتمامات الجمهور المتلقي او تغيير افكاره ومواقفه واتجاهاته واعتقاداته او تسطيح وعيه وثقافته ، او جلب اهتمامه لقضايا ومواضيع دون غيرها ، بشكل يخدم في النهاية مصالح وغايات الجهة التي قامت بممارسة التضليل او أمرت به ، ويتم في ذلك الاعتماد على كل اشكال وسائل الاعلام والاتصال ، السمعية والبصرية ، المكتوبة والالكترونية ، كالجرائد والمجلات والقنوات ومواقع الانترنيت خاصة مواقع التواصل الاجتماعي ، وغيرها من وسائل نشر المعلومات كالمنشورات والملصقات .. الخ ويأخذ التضليل السياسي في الفضاء الرقمي اشكالا متعددة منها الذباب الالكتروني ، المحتوى المضلل والموجه ، التحكم في الخوارزميات والوسائط الجديدة ، الهندسة العاطفية للرأي العام في الفضاء الرقمي ، التضليل الاعلامي الجديد ، الاخبار المضللة .....   بهدف تشويش الادراكات وتغيير اتجاهات الرأي العام خدمة لاهداف سياسية محددة ومقصودة .

ان التضليل الذي تستعمله الثورة الرقمية بكل قنواتها يكون القصد منه اعادة برمجة عقول الجمهور لصناعة توجه سياسي او ثقافي او ايديولوجي معين وفق متطلبات فئة محددة ، حيث يكون مرتكزها تشويه واقع وتحريف حقائقه حتى لايظهر كما هو ، هذه البرمجة عبر عنها فيليب بروتون في قوله « ان التضليل هو اقتحام عقل شخص ما بتقديم رأي او اثارة سلوك دون ان يدري هذا الشخص انه قد حدث له اقتحام « .

ارتباط وثيق

اذن يرتبط التضليل ارتباطا وثيقا بالسياسة ، ويشكل اهم منهجياتها الصراعية ، واستخدم التضليل في ممارسة واقعية وعملية في الصراعات الفلسفية والفكرية السياسية ، ومازال يزاول بشدة بآليات وتقنيات ومنهجيات متطورة وحديثة متناغما مع التطور والحداثة .

بأختصار : التضليل السياسي لايعني دائما اختلاق معلومة من الصفر ، فقد تكون المعلومة صحيحة جزئيا لكن طريقة اختيارها او عرضها او اخراجها من سياقها تجعلها مضللة .

مثال مهم : قد يقول سياسي « حققنا نموا اقتصاديا بنسبة 5 بالمئة قد تكون المعلومة صحيحة لكنها تصبح مضللة اذا اخفى ان النمو كان 5 بالمئة في سنة واحدة بعد انخفاض سابق بنسبة 8 بالمئة هنا المشكلة ليست بالضرورة في الرقم نفسه وانما في السياق الحذوف«

والسؤال هنا كيف تتحقق من اي ادعاء سياسي ؟ اسأل نفسك 5 اسئلة :

1.من نشر المعلومة ؟

2. مالمصدر الاصلي ؟

3. متى حدث الامر ؟

4. هل توجد مصادر مستقلة تؤكده ؟

5. هل عرضت المعلومة كاملة ام جرى حذف جزء من السياق ؟

والاهم : التضليل ليس هو نفسه الكذب دائما ، فقد تكون المعلومة صحيحة لكن طريقة تقديمها تجعل الجمهور يصل الى استنتاج خاطيء .

ابرز انواع التضليل السياسي تشمل:

1. .الاخبار الكاذبة : نشر معلومات مختلفة او احداث لم تقع اصلا .

2. التحريف او الاقتطاع : عرض تصريح او صورة او فيديو خارج سياقه لتغيير معناه .

3. التضليل بالارقام والاحصاءات : استخدام ارقام صحيحة ظاهريا لكن بطريقة توحي باستنتاج خاطيء .

4. التلاعب بالصورة والفيديو : تعديل محتوى بصري او استخدامه للايحاء بحدث لم يقع ، بما في ذلك تقنيات التزييف العميق .

5.  العناوين المضللة : صياغة عنوان مثير او مبالغ فيه لا يعكس مضمون الخبر .

6. الشائعات : نشر معلومات غير مؤكدة خصوصا اثناء الانتخابات او الازمات .

7. الدعاية السياسية : تقديم معلومات انتقائية بهدف التأثير في مواقف الجمهور ودعم طرف سياسي .

8. التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي : استخدام حسابات وهمية ، روبوتات ، او حملات منسقة لتضخيم رأي او مهاجمة خصم .

9. التلاعب العاطفي : استغلال الخوف او الغضب او الكراهية بدل الاعتماد على معلومات موثوقة .

10. الادعاءات المضللة او انصاف الحقائق : تقديم جزء صحيح من المعلومات مع اخفاء جزء مهم يؤدي الى فهم خاطيء

التضليل السياسي والتضليل الاعلامي : يعتمد التضليل السياسي على بث افكار مغلوطة لخدمة اجندات حزبية او سلطوية محددة ، ويستهدف السيطرة على القرار وتوجيه ولاءات الجماهير نحو مرشحين او سياسات معينة ، ويستغل العواطف والانتماءات القبلية او الو طنية لتمرير مشاريع مشبوهة .

اما التضليل الاعلامي فأدواته هي نشر الاكاذيب الصريحة او اجتزاء الحقائق من سياقها الصحيح ، ةتضخيم الاحداث الهامشية واخفاء القضايا الاساسية ، ويعمل على استخدام الذباب الالكتروني والخوارزميات لتوجيه النقاش الرقمي  .

التضليل السياسي والدعاية الموجهة « البروباغندا « : تعود كلمة بروباغندا الى اللاتينية وتعني « مجمع نشر الايمان « وهو اسم لمجمع كاثوليكي انشأه البابا غريغوري الخامس عشر عام 1622 لنشر العقيدة ، اما المعنى العام فقد تحولت هذه الكلمة في العصر الحديث لتشمل اي حملة دعائية مكثفة تهدف لهندسة الوعي الجماهيري وتوجيه الرأي العام  .

وتعتمد البروباغندا على التركيز العاطفي بدلا من الحوار العقلاني والموضوعي ، وقد تستخدم معلومات صحيحة لكنها مجتزأة ومنتقاة بعناية لخدمة جانب واحد ، وكذلك تغفل البروباغندا الحقائق او الادلة المعاكسة التي تضر بموقف صانع الرسالة ، وتستخدم التكرار والرموز والصور لتثبيت فكرة معينة في اذهان الجمهور  .

وايضا وصفت كونها عبارة عن احد مستويات التعامل النفسي بين الدول والمواطن ، وايضا هي محاولة التأثير في الافراد والسيطرة على سلوكهم لاغراض مشكوك فيها وذلك في مجتمع وهدف معين .

اما الاشاعة والشائعة : كلمتان لهما نفس المدلول واختلفتا في الدال : اي ان لهما نفس المعنى ولكن المبنى مختلف ، ولكن تم استعمالهما لنفس الغرض والمعنى ، ويقصد بالاشاعة الخبر ينتشر ولا تثبت فيه ، اي خبر لا صدق فيه ، وغير صحيح ...وفي قاموس علم النفس لجيمس دريفر حيث عرف الاشاعة بأنها عبارة عن قق غير متحقق منها تنتشر في المجتمع ويزعم فيها الحدوث واقعة معينة ، وسنورد مجموعة تعاريف لها :

« عبارة عن رواية تتناقلها الافواه دون ان تركز على المصدر موثوق يؤكد صحتها « 

« مصطلح الاشاعة عبارة عن رواية كلامية ليست محققة او بدون تحقق من الحادثة التي تتداول بين الناس عن طريق الكلام « .

« هي تزييف الانباء الذي يؤدي الى ظهور الاشاعات والاسس التي تجعل الجماهير تتقبلها دون نقد « .

التضليل السياسي والرأي العام : مفهوم الرأي العام بأختصار هو في جوهره موقف يتخذه الفرد او الجماعة نتيجة حادثة او مشكلة او تغيير يحصل في سياقات الحياة المعاشة ، لذا فهو يقوم في اسسه على مكونات كثيرة ، وتراكمات تربوية وثقافية منها ما يكون فطريا يسير بحسب سياقات خصوصية الفعل الاجتماعي لاي مجتمع ، وفي احيان اخرى يتم شحذها او تسييرها بمعطيات مصطنعة ومفتعلة ، من جهات اما تريد تثبيت حالة الواعي المجتمعي ، على فهم معين وظاهر او تريد حرف او تغيير او تقليل وطأة فهم تلك الحادثة لذا اقترنت عملية تشكيل الرأي العام بمحددات واشتراطات وادوات متنوعة تختلف في شدتها وقوتها وضرورة توافرها بحسب طبيعة المجتمع وطبيعة الحدث وقوته وشدته ومقدار امتلاك جهات التأثير لادوات كامنة وظاهرة تمكنها من اعادة تشكيل الرأي العام او حرفه .

خنق فكرة

وحسب مركز سمت للدراسات الرأي العام هو خلق فكرة من خلال عدة وسائل اتصالية ثم تنتشر في الطيف الجمعي لتصبح هي الحقيقة ، وان كانت غير ذلك في حين يأتي صناعة التضليل بشكل اكثر عمقا ودقة وتتحكم في تكوين القيم والمباديء والمعتقدات  .

وقبل الانتقال الى محور صناعة التضليل السياسي ، فأن مواد التضليل سياسية وهي متنوعة وكثيرة ومتطورة تطال كل تفصيلات الحياة اليومية من خطابات سياسية ملفوظة ومكتوبة ومقروءة ومسموعة ومسلوكة ، لان الخطاب السياسي يجب ان يفهم انطلاقا من الواقع .

 طرق وادوات التضليل السياسي .

يقوم التضليل السياسي على توجيه الرأي العام وصناعة واقع زيف لخدمة اجندات محددة ، ونادرا ما يعتمد على الكذب الفج ، بل يستخدم تقنيات مركبة تعيد تشكيل الحقائق ... هناك عدة طرق للتضليل السياسي ، ابرزها ماورد في كتاب الدكتور كلود يونان ( طرق التضليل السياسي ) حيث تناول طريقة للتضليل السياسي وهي :

« الديموغاجية السياسية / التأويلية التضليلية /التضليل السياسي بأستخدام الوسائل المنطقية / التضليل بالخلط واثارة الغموض في الخطاب السياسي / المناورات السياسية / المشاغلة السياسية / الخداع السياسي / الكذب / الرياء / التمويه السياسي / التشويه / التعمية التضليلية / المداورة السياسية / الاستعارات المضللة / التضليل بالتغيير والتبديل واهدافه العملية / المصانعة والمداراة / المجاراة السياسية / المماحكة السياسية / التدليس السياسي / التضليل السياسي وادوات الشعوذة .

ودون الدخول في التفاصيل يمكن تناول ابرز طرق التضليل السياسي المعاصر مثل :

1.التلاعب بالمعلومات والسياق / الاقتطاع من السياق بمعنى فصل جزء من حدث او تصريح وتضحيمه ليبدو كأنه تهديد شامل / التحوير والتشويه بمعنى اعادة صياغة الحقائق والقصص الحقيقية لتعطي انطباعا مغايرا للواقع / اخفاء المعلومات اي حجب تفاصيل جوهرية تمنع الجمهور من بناء صورة متكاملة وصحيحة / تبسيط الواقع المعقد بمعنى اختزال الازمات المتشابكة في ثنائيات حادة مثل « ولاء او خيانة « .

 2.الديموغاجية السياسية :

كثيرا ما يرد مصطلح الديموغاجية بأعتباره اهم نماذج التضليل السياسي ، والديماغوجية مؤلفة من كلمتين ذيموس «الشعب « وآغوغوس « القيادة الموصلة والموجهة « وهذه القيادة تكون تضليلية فالقائد يوصل شعبه الى مصالحه الخاصة واهدافه وليس الى مصالح الشعب واهددافه ، لذلك يصبح الديموغاجي مضلل « بكسر اللام « الشعب او مدالسه ، وهو السياسي المتلاعب مداهن الشعب ومضلله « بكسر اللام « وتصبح الديموغاجية « مدالسة الشعب وتضليله « .

والممارسة الديموغاجية بحسب ارسطو في كتابه « في السياسة « يعني بها مجموعة من « اساليب ملتوية وتعميات وتمويها للحقيقة .. وضروب المجاملة والملاطفة وهي تستخدم المداهنة توددا الى الجماهير واعتناقا لمرضاتها « والديموغاجية هي وسيلة تضليلية تضمن البقاء للحكم الطغياني واسلوب يلجأ اليها الطغاة اليقظون والساسة المحنكون الاذكياء فتصبح منهجا واسلوبا سياسيا يتبعه الحكام ليكتسبوا مرضاة الشعب ولو بالمخادعة ، وقد يلجأ اليه الحكام في الاحكام السياسية  .

3.التضليل الرقمي والتكنولوجي / وابرز الياته التزييف العميق بمعنى فبركة مقاطع فيديو وصوت ومواقع الكترونية بالذكاء الاصطناعي لضرب مصداقية الخصوم / الذباب الالكتروني والروبوتات وهي تشغيل حسابات وهمية منسقة لتضخيم رواية معينة واعطائها مصداقية زائفة / التلاعب بالخوارزميات اي توجيه المحتوى بشكل مخصص لشرائح مجتمعية معينة لتعزيز الاستقطاب .

4.الحرب النفسية والعاطفية / اهمها الهندسة العاطفية اي استغلال مشاعر الخوف والتعاطف لدى الجمهور لتمرير قرارات استثنائية / صناعة الذرائع بتضخيم خطر محتمل او سلوك فردي لجعله مبررا لاجراءات قمعية او سياسية معقدة / نشر الشائعات الموجهة والاعتماد على الاشاعات لرفع المقبولية السياسية او اسقاط الخصوم في الانتخابات .

5.التضليل المؤسسي والاعلامي / وتتلخص في اعادة تأطير الرواية اي التشكيك المستمر في المصادر الموثوقة لزعزعة ثقة الجمهور بالحقائق الثابتة / والبربوغاندا المنظمة اي تسخير وسائل الاعلام الجماهيري لتبني رؤية السلطة او جهة النفوذ وتكرارها .

 

التضليل السياسي في البيئة العراقية

 التضليل السياسي في العراق : من يصنع التضليل ؟ لماذا ينجح التضليل في العراق ؟ التضليل الطائفي والقومي البحث في الهويات لتحويل الخلاف السياسي الى صراع هوياتي ، التضليل اثناء الانتخابات وتشكيل الحكومة ،وسائل التواصل الاجتماعي والجيوش الالكترونية ، التضليل المرتبط بالخارج ، التضليل وصناعة صورة السياسي في العراق .

 

اولا : البيئة السياسية المنتجة للتضليل : وتتمثل في الانقسام السياسي / الطائفية السياسية / ضعف الثقة بالمؤسسات / الازمة الاقتصادية والخدمية / الصراع بين القوى السياسية / التدخلات الاقليمية والدولية / ضعف المهنية الاعلامية .

في العراق نجد من الصعب التمييز بين المعلومة الخاطئة التي قد تنتشر دون قصد وبين المعلومة المضللة التي تنتج او توظف بصورة متعمدة لتحقيق غرض معين ، وفي الحالة السياسية لا تقتصر المشكلة على اختلاق خبر غير صحيح وانما قد يأخذ التضليل صورا اكثر تعقيدا ، مثل اجتراء الحقيقة ، واخراج التصريح من سياقه ، وتضخيم معلومة صحيحة جزئيا او استخدام صورة او فيديو حقيقي في سياق مختلف ، وهذا مهم جدا في الحالة العراقية لان التضليل لا يعمل بمعزل عن البيئة السياسية وانما يتفاعل مع الانقسام السياسي والاجتماعي والاستقطاب وضعف الثقة بالمؤسسات .

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا تجد المعلومة المضللة في العراق بيئة سياسية واجتماعية تساعدها على الانتشار ولماذا تنتشر الاخبار الكاذبة ؟

ويمكن تحليل ذلك من خلال :

أ.الاستقطاب السياسي : عندما ينقسم الجمهور الى مؤيد ومعاض يصبح الفرد اكثر استعدادا لتصديق المعلومات التي تتفق مع موقفه السياسي واقل استعدادا للتحقق من المعلومات التي تستهدف خصمه .

ب. ضعف الثقة بالمؤسسات : عندما تكون الثقة بالمؤسسات السياسية والانتخابية منخفضة ، تصبح الشائعات المتعلقة بالانتخابات والنتائج اكثر قابلية للانتشار ، وقد اشار المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية الى ان العراق واجه في الدورات الانتخابية الاخيرة شائعات وادعاءات حول المخالفات ساهمت في زيادة الشكوك تجاه نتائج الانتخابات والمؤسسات  .

ج. الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي : تحولت المنصات الرقمية الى مصدر رئيسي للمعلومات السياسية لكنها في الوقت نفسه اصبحت بيئة سريعة لانتشار المعلومات المضللة والاستقطاب السياسي والتحرش الالكتروني

د. البعد الهوياتي : الدين والطائفة والقومية والمناطقية يمكن ان تتحول الى ادوات في انتاج الرسائل المضللة ، خصوصا عندما يتم تصوير الخصم السياسي بأعتباره تهديدا للهوية او الجماعة .

وهذه النقطة مدعومة بدراسة اكاديمية عراقية اشارت لها مجلة جامعة الكوفة تناولت انتخابات 2018 ووجدت ان الاخبار الكاذبة استخدمت لاستهداف السياسيين عبر موضوعات حساسة مثل الدين والسمعة والشرف والاتهام بالارتباط او العمالة لدول اخرى بهدف تشويه الخصوم ونزع الشرعية عنهم .

اهم مصادر التضليل السياسي في العراق  : هنا لا ينبغي ان نفترض ان هناك فاعلا واحدا ، يمكن ان يكون التضليل صادرا عن الاحزاب والقوى السياسية / جماعات ضغط ومصالح /الجهات الحكومية والسياسية / وسائل الاعلام المرتبطة بالقوى السياسية / الجيوش والحسابات الالكترونية المنظمة / المؤثرون وصفحات التواصل الاجتماعي / المصادر الخارجية والتأثيرات الاقليمية والدولية / الجمهور نفسه عندما يتحول الى ناقل للمعلومة المضللة دون تحقق .

ملاحظة مهمة : الاهم منهجيا ان لاننسب التضليل الى جهة سياسية محددة الا اذا كان لدينا دليل ، هذه النقطة نلتزم بها في صياغة الدراسة حتى لا تتحول الدراسة نفسها الى خطاب سياسي .

وتتعدد وتتنوع ادوات وآليات التضليل السياسي في العرق يمكن ايجازها بما يلي : الاخبار الكاذبة والمعلومات المفبركة / اجتزاء التصريحات والخطب / الصور والفيديوهات القديمة واعادة توظيفها / العناوين المضللة / الحسابات الوهمية / الذباب الالكتروني / التلاعب بالاستطلاعات والرأي العام / خطاب التخويف والتحريض / استخدام الطائفية والقومية والمناطقية / التضليل القائم على نصف الحقيقة وهو ربما اخطر من الكذب الصريح

ثانيا : التضليل السياسي في الانتخابات العراقية

تؤكد الامم المتحدة ان التضليل خلال الانتخابات العراقية يمكن ان يستهدف المفوضية ، والمرشحين ، والسياسات ، وحتى العملية الانتخابية نفسها ، وانه يمكن ان يؤدي الى تقويض الثقة بالانتخابات والتأثير في نتائجها .

وهنا يمكن ان يصبح البحث اكثر ارتباطا بالواقع العراقي :

التضليل اثناء الحملات الانتخابية / تشويه الخصوم السياسيين / الاخبار المتعلقة بالمرشحين / التلاعب بمشاعر الناخبين / الشائعات حول تزوير الانتخابات او تأجيلها / صناعة توقعات انتخابية وهمية / استخدام الدين والطائفة والهوية في التأثير على التصويت / تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على القرار الانتخابي .

 

 تأثير التضليل السياسي على الدولة والمجتمع في العراق .

مما لاشك فيه ان التضليل السياسي يهدد استقرار الدول والتماسك الاجتماعي من خلال نشر معلومات خاطئة بقصد الخديعة والتضليل لصالح جهة معينة مستفيدة ، ان تأثير التضليل على الدولة يضعف ثقة الافراد في المؤسسات الحكومية والقضائية ، ويعمل على زعزعة الاستقرار السياسي حيث تستخدم حملات التضليل لتأجيج الصراعات وتدمير صورة الخصوم اثناء الازمات والحروب ، اضف لذلك اعاقة تنفيذ السياسات الحكومية وخططها بسبب عدم تجاوب الجمهور مع السياسات بفعل البيانات المغلوطة ، واخيرا تشويه المسار الديمقراطي حيث يؤثر التضليل على نتائج الانتخابات وحرية التصويت عبر تزييف وعي الناخبين وتشويه صور المرشحين .

اما على الصعيد المجتمعي فأن التضليل السياسي يعزز الانقسامات العرقية والدينية والطبقية مما يزيد حدة التوترات والعنف ويعمل على تفكك النسيج الاجتماعي ، كما ان التضليل يساهم في انتشار خطاب الكراهية حيث تستغل المنصات الرقمية الشائعات لاثارة التعرات الطائفية والقومية والتحريض ضد فئات محددة .

وسوف يتم دراسة تأثير التضليل السياسي على الدولة والمجتمع في العراق على مستويات مختلفة :

1. المستوى السياسي : ويقصد به اضعاف المؤسسات وزيادة الاستقطاب ، حيث يؤثر التضليل السياسي بصورة مباشرة في البيئة السياسية للدولة ومن ابرز آثاره تشويه صورة المؤسسات السياسية والحكومية من خلال نشر معلومات غير دقيقة او مجتزأة حول ادائها وقراراتها ، التأثير في عملية صنع القرار عندما تصل معلومات مضللة الى صناع القرار او تؤثر في تقديرلتهم للاوضاع السياسية .

اضف لذلك يساهم في زيادة الاستقطاب السياسي عبر تقديم القضايا الخلافية بصورة ثنائية حادة : مع او ضد ،كما ان التضليل السياسي يعمل على اضعاف المعارضة واي حوار سياسي خاصة عندما تستخدم المعلومات المضللة لتشويه الخصوم والمعارضين بدلا من لغة الحوارومناقشة برامجهم وافكارهم .

اما على صعيد الرأي العام فالتأثير خطير حيث يعمل على دفع وتوجيه الجمهور الى تبني مواقف سياسية مبنية على معلومات غير صحيحة .. وبالتأكيد هذا يؤدي الى اضعاف الاستقرار السياسي عندما تتراكم الشائعات والدعايات المغرضة والاخبار الكاذبة وتؤدي الى الاحتقان وفقدان الثقة بالدولة والمؤسسات والقوى السياسية .

2. المستوى المجتمعي : المجال الاجتماعي هو الحلقة الاكثر تأثيرا بالتضليل السياسي حيث يؤدي الى زيادة الانقسام بين افراد المجتمع ومكوناته على اساس سياسي وطائفي ومناطقي واجتماعي .. حيث نشر الازمات والخوف والقلق حصوصا اثناء الانتخابات والازمات والاحداث السياسية الحساسة ، واثارة الكراهية والحقد والتحريض من خلال تصوير فئة او مكون اجتماعي او سياسي بأعتباره سببا للزمات والمشكلات .. وبالتأكيد هذا يضعف الحوار المجتمعي نتيجة تراجع القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمعلومات المضللة ، مما يؤدي الى الى انتشار نظريات المؤامرة التي تقدم تفسيرات غير موثقة للاحداث السياسية ، وهذا بالتالي يؤدي الى تراجع التماسك الاجتماعي عندما تصبح المعلومات المضللة عاملا في بناء مواقف عدائية وعدوانية  بين فئات وطبقات المجتمع .

3. المستوى الانتخابي : المستوى الانتخابي هو البيئة الحاضنة للتضليل السياسي ويعد اكثر المجالات تأثرا بالتضليل السياسي اذ يمكن ان يستهدف الناخب والمرشح وحتى الجمهور والعملية الانتخابية نفسها من خلال التأثير في خيارت الناخبين بنشر معلومات كاذبة وتشويه سمعة المرشحين عبر الاخبار الكاذبة او الصور والمقاطع المفبركة .. واكيد هذا يؤثر في :

التأثير في نسبة المشاركة الانتخابية من خلال نشر معلومات خاطئة حول مواعيد الانتخابات او اجراءات التصويت / اضعاف الثقة بنتائج الانتخابات عبر الادعاءات غير المستندة الى ادلة حول التزوير او التلاعب / استخدام الحسابات الوهمية والمنصات الرقمية لتضخيم رسائل سياسية معينة واظهارها وكأنها تحظى بتأييد شعبي واسع / استهداف فئات محددة من الناخبين بمعلومات مصممة للتأثير في مواقفهم واتجاهاتهم السياسية .

4.المستوى الامني : قد يتحول التضليل السياسي من مشكلة اعلامية الى تهديد امني عندما يستغل لاثارة الاضطرابات او زعزعة الامن والاستقرار من خلال اثارة الهلع بين المواطنين عبر نشر اخبار كاذبة عن احداث امنية او تهديدات غير موجودة ، اضف لذلك يربك التضليل السياسي الاجهزة والمؤسسات الامنية عبر تداول معلومات غير صحيحة اثناء الازمات والتحريض على العنف او الفوضى من خلال الخطب والرسائل التي تحرض على الكراهية واثارة الفتن الطائفية ونشر روايات مضللة تزيد من الفرقة والتوتر المجتمعي .

كذلك يعمل التضليل السياسي في التأثير على الامن الوطني حاصة عندما تستهدف حملات تضليل خارجية مؤسسات الدولة او القوات الامنية او الرموز الوطنية .

اما على صعيد الامن القومي فالتضليل السياسي يؤثر في علاقات الدولة بمحيطها الاقليمي والدولي ومن ابرز آثاره : الاضرار بسمعة الدولة دوليا واقليميا نتيجة انتشار روايات ومعلومات غير صحيحة ومضللة / اثارة التوتر في المواقف الدولية تجاه الدولة او حكومتها / اثارة التوتر مع الدول المجاورة عبر نشر اخبار كاذبة او مضللة تتعلق بالحدود والجماعات المسلحة او بالسياسات الخارجية .

آليات مواجهة التضليل السياسي في العراق

تتطلب مواجهة التضليل السياسي اعتماد منظومة وطنية متكاملة لا تقتصر على الرد على الاخبار الكاذبة بعد انتشارها وانما تعمل على الوقاية والرصد والتحقق والتوعية والاستجابة .

1.انشاء منظومة وطنية للرصد والتحقق تعمل على رصد المحتوى السياسي المضلل / تحديد الموضوعات والحملات الاكثر تأثيرا / التحقق من المعلومات المتداولة / اصدار تصحيحات سريعة وموثقة / اعداد تقارير دورية عن اتجاهات التضليل ومصادره واساليبه ويجب ان تقوم هذه المنظومة على التحقق المهني والشفافية وليس على مراقبة الاراء او المواقف السياسية للمواطنين .

2. تعزيز الاتصال الحكومي : وتعد من اهم وسائل الحد من التضليل توفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وذلك من خلال : اصدار البيانات الرسمية بسرعة عند وقوع الازمات / توحيد الرسائل الاعلامية للمؤسسات الحكومية / الرد على الشائعات بالمعلومات والادلة وليس بمجرد النفي / اعتماد لغة واضحة ومفهومة للجمهور .

3. رفع الوعي الاعلامي والرقمي : ينبغي ادخال التربية الاعلامية والرقمية ضمن البرامج التعليمية والتوعوية بحيث يتعلم المواطن كيفية : التحقق من مصدر الخبر / التمييز بين الخبر والرأي / التأكد من تاريخ الصور ومقاطع الفيديو / عدم اعادة نشر المعلومات قبل التحقق منها / التعرف على الحسابات الوهمية والمحتوى المفبرك .

4. تعزيز دور الاعلام المهني : يمكن لوسائل الاعلام العراقية ان تؤدي دورا اساسيا من خلال : الالتزام بالتحقق من الاخبار قبل نشرها / الفصل بين الخبر والرأي / عدم اعادة نشر الشائعات بهدف زيادة المشاهدة / تدريب الصحفيين على التعامل مع المحتوى الرقمي والتزييف العميق والذكاء الاصطناعي .

واخيرا وليس آخرا ان مواجهة التضليل ليست مسؤولية مؤسسة واحدة وانما تتطلب تعاون الحكومة مع مجلس النواب والمؤسسات الانتخابية والمؤسسات الامنية المختصة والاعلام والجامعات ومراكز الابحاث ومنظمات المجتمع المدني مع ضرورة تحديد مسؤوليات كل جهة بصورة واضحة ومنع التداخل بين مكافحة التضليل وبين تقييد حرية التعبير والعمل الاعلامي والصحفي وهذا لن يتحقق الا بالتوعية الدينية والاخلاقية وهذه مهام المؤسسات الدينية بمختلف توجهاتها .


مشاهدات 26
الكاتب وصال نجيب العزاوي
أضيف 2026/09/12 - 12:33 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 18916 الكلي 16551436
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير