الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا ديمقراطية مع الخوف

بواسطة azzaman

لا ديمقراطية مع الخوف

مشتاق الربيعي

 

تُعد حرية التعبير من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية، فهي ليست مجرد مساحة للكلام وإبداء الآراء، وإنما وسيلة أساسية لمراقبة أداء مؤسسات الدولة، وكشف مواطن الخلل، والدفاع عن حقوق المواطنين، والمساهمة في تصحيح المسار.

وفي العراق، أصبحت حرية التعبير والصحافة جزءاً مهماً من المشهد العام، وأصبح المواطن أكثر قدرة على إيصال صوته والتعبير عن موقفه وانتقاد أداء المسؤولين والمؤسسات، إلا أن هذه الحرية ما زالت تواجه تحديات وضغوطاً تجعل ممارسة الكلمة الحرة في بعض الأحيان محفوفة بالقلق.

وقد نصّت المادة (38) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على أن:

«تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب: أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانياً: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. ثالثاً: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون».

وهذا النص الدستوري يؤكد بوضوح أن حرية الرأي والصحافة ليست منحة من أحد، وإنما حق دستوري مكفول، وأن حماية هذا الحق مسؤولية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها، كما أنها مسؤولية على من يمارس هذا الحق.

وفي الوقت ذاته، نحن مع النقد الهادف والموضوعي والبنّاء، الذي يستند إلى الحقائق ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، لأن النقد الحقيقي لا يكون هدفه الإساءة إلى الأشخاص، وإنما تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء.

ونحن لسنا مع التشهير أو التجريح أو نشر المعلومات المضللة أو التحريض، فحرية التعبير لا تعني الفوضى، ولا تعني أن يكون الإنسان فوق القانون. لكن في المقابل، فإن مواجهة أي تجاوز يجب أن تتم من خلال القانون والإجراءات القضائية العادلة، لا من خلال الضغوط أو التهديد أو محاولة إسكات أصحاب الرأي.

فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، والنقد لا ينبغي أن يُفسَّر دائماً على أنه استهداف شخصي. وفي المجتمعات الديمقراطية، من الطبيعي أن يختلف الناس في آرائهم ومواقفهم، لكن المهم أن يبقى هذا الاختلاف ضمن إطار الاحترام والقانون.

إن الصحفي والكاتب عندما يوجهان نقداً إلى مسؤول أو مؤسسة، لا يعني بالضرورة أنهما يحملان موقفاً شخصياً ضدها، فقد يكون الهدف لفت الانتباه إلى مشكلة، أو نقل معاناة مواطن، أو طرح قضية تحتاج إلى معالجة. ولذلك فإن التعامل مع النقد ينبغي أن يكون من خلال الإجابة والتوضيح وتصحيح الخطأ إن وجد، وليس بمحاولة إسكات صاحبه.

كما أن المسؤول والمؤسسة الحكومية بحاجة إلى النقد الموضوعي، لأن النقد المهني يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في اكتشاف الأخطاء وتحسين الأداء. والدولة القوية ليست التي لا تُنتقد، وإنما التي تمتلك القدرة على الاستماع إلى النقد والاستفادة منه.

وفي المقابل، فإن على الصحفي والكاتب أن يدركا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهما، وأن تكون الكلمة مبنية على المعلومة الدقيقة، وأن يتم التفريق بين النقد المشروع والإساءة، وبين الرأي والحقيقة، وبين المصلحة العامة والخلافات الشخصية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع هو أن يشعر المواطن أو الصحفي بأن التعبير عن رأيه قد يضعه تحت ضغط أو تهديد. فحين تخاف الكلمة، تبدأ مساحة الحوار بالانكماش، وحين يتراجع الحوار، تتراجع معه إحدى أهم أدوات الديمقراطية.

ولهذا، فإن حماية حرية التعبير لا تعني حماية الصحفي أو الكاتب فقط، وإنما حماية حق المجتمع بأكمله في المعرفة والنقاش والمساءلة. فالمواطن له الحق في أن يعرف، والصحفي له الحق في أن يسأل، والكاتب له الحق في أن ينتقد، والمسؤول له الحق في الرد والتوضيح، وكل ذلك يجب أن يجري ضمن إطار القانون والاحترام المتبادل.

لذلك، نحن لا نريد أن يتحول العراق إلى سجن كبير للكلمة والرأي، فقد ذهب زمن الدكتاتورية والطغيان إلى غير رجعة، ولا ينبغي أن تعود ثقافة الخوف والصمت بأي صورة من الصور.

لقد اختار العراق طريق الدولة الدستورية والديمقراطية، وأصبح احترام الحريات وحقوق الإنسان وحرية التعبير من الأسس التي ينبغي ترسيخها وحمايتها. ونحن مع الدولة القوية التي يفرض فيها القانون احترام الجميع، ومع النقد الهادف والموضوعي الذي يخدم المصلحة العامة، ولسنا مع الإساءة أو التجريح أو التشهير.

إن العراق الذي عانى طويلاً من سطوة الدكتاتورية والطغيان، يستحق أن يكون وطناً للحرية والحوار واحترام الرأي الآخر، لا وطناً يخشى فيه المواطن أو الصحفي أو الكاتب من قول الحقيقة.

فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات وحدها، ولا بوجود المؤسسات الدستورية فقط، وإنما تُقاس أيضاً بمدى احترام الرأي الآخر، وبقدرة المجتمع على ممارسة النقد، وبقدرة المسؤول على تقبل هذا النقد دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع.

فلا ديمقراطية مع الخوف، ولا حرية بلا مسؤولية، ولا دولة قانون من دون احترام حق الإنسان في أن يعبّر عن رأيه.

 

 


مشاهدات 50
أضيف 2026/09/12 - 12:21 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 1:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 93 الشهر 18905 الكلي 16551425
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير