الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مصفوفة السلاح في الميزان الإجتماعي.. ضرورة واقعية أم إستغلال لهيبة الدولة ؟

بواسطة azzaman

مصفوفة السلاح في الميزان الإجتماعي.. ضرورة واقعية أم إستغلال لهيبة الدولة ؟

محمد فخري المولى

 

تتسارع في العراق التطورات المرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة مع إعلانات متتالية من قوى وفصائل عن تسليم مقرات وأسلحة أو فك الارتباط او الانضمام لتشكيلات الحشد الشعبي وتأكيد كل الجهات والاطراف على تنظيم السلاح ودعم سلطة الدولة في إدارة هذا الملف،  من حيث المبدأ فإن حصر السلاح بيد الدولة هو حجر الأساس لبناء الدولة الحديثة وترسيخ سيادة القانون. لكن... وما أدراك ما لكن.. ما هي مصفوفة السلاح المحلية؟

المصفوفة في أصلها مجموعة عناصر مترابطة ومنظمة ضمن إطار واحد أما مصفوفة السلاح فهي ليست مجرد قطعة حديد مفردة بل هي شبكة متداخلة من أنواع السلاح والجهات الحاملة له ومبررات استخدامه وتأثيراته الاجتماعية والأمنية والسياسية، لذا السؤال الأدق هو:

هل السلاح في الميزان الاجتماعي العراقي ضرورة تحتمها الظروف أم استغلال سيئ لهيبة الدولة وغياب القانون وهل يمكن اختزاله كملف أمني وسياسي فقط، أم أن له جذوراً اجتماعية وتاريخية تجعل معالجته أعقد من مجرد قرار إداري.

قبل الإجابة، لنتوقف عند امرين  الاول مناشدة متداولة للقوات الأمنية حول مشاجرة تطورت إلى استخدام السلاح وأدت لإصابة عدد من الأشخاص بينهم أطفال مع مشاركة بعض المنتسبين وإطلاق نار عشوائي قد تبدو الحادثة فردية لكنها ليست معزولة لان العراق من أقصاه إلى أقصاه شهد حوادث ارتبط فيها السلاح بالمشاجرات والنزاعات العشائرية والاجتماعية وتجاوز الأمر السلاح الخفيف إلى المتوسط والثقيل  بل ودخول تقنيات حديثة كالطائرات المسيرة في بعض الصراعات.

هنا يصبح المواطن البسيط جزءاً من دوامة لم يخترها، لكنه يدفع ثمنها.

ثانيا انتشر مقطع فيديو لعملية تفتيش امني اثناء مناسبة عامة في اليمن ، المثير بالامر ان اغلب من تم تفتيشهم هم مسلحون اصلا .. الاجابة ببساطة هناك  السلاح جرء من الثقافة الاجتماعية.

من الحماية إلى النفوذ

السلاح في المجتمع العراقي ليس ظاهرة طارئة بل موروث تاريخي واجتماعي وعشائري طويل  السيف والبندقية كانا حاضرين في المضايف والدواوين كرمز للحماية والهيبة وارتبط حمله بالدفاع عن الأرض والعائلة عندما كانت قدرة الدولة محدودة حتى صور الرموز الاجتماعية والدينية والسياسية القديمة لا تخلو من حضور السلاح كرمز لمرحلة تاريخية،  المشكلة تبدأ عندما ينتقل السلاح من رمز للحماية إلى وسيلة للفرض والابتزاز وفرض الإرادة  وهنا تكمن العقدة العراقية.

 تعددت المصفوفات

بعد عام 2003 تعددت مصادر السلاح وتنوعت الجهات الحاملة له وبمبررات مختلفة وبقيت الدولة ترفع  شعار حصر السلاح بيد الدولة لكن الشعار وحده لم يكن كافياً لتفكيك المصفوفات المتراكمة فهناك فارق جوهري بين: السلاح كموروث اجتماعي وتقليد متوارث ، السلاح كوسيلة للأمان عند غياب سلطة الدولة، السلاح الرسمي المرتبط بمؤسسات الدولة  السلاح المنفلت المستخدم للتهديد والابتزاز وفرض الأمر الواقع

السلاح المرتبط بتشكيلات ذات أدوار سياسية وأمنية ، السلاح المرتبط بصراعات إقليمية تجاوزت حدود الداخل.

بعد 2014 _2017 تعقدت المصفوفة أكثر بظهور عناوين جديدة تحت  مسمى حماية المكونات وحقوقها وهي عبارة تُفسر أحياناً  كسيطرة على المكونات، ازداد الارتباط الإقليمي السلاح بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023 طوفان الأقصى وصولاً إلى تداعيات المواجهة الأخيرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل ليصبح جزء من ملف السلاح العراقي متأثراً بتوازنات تتجاوز الجغرافيا المحلية.

المواطن هو الحلقة الأضعف

انعكاسات هذا الواقع لا تتوقف عند السياسة بل تصل مباشرة إلى حياة الناس الكاسب الشريف يعاني والموظف النزيه يكابد وصاحب المهنة الحرة يدفع الثمن  ليس لأنهم جزء من الصراع  بل لأن السلاح غير المنضبط يخلق شعوراً دائماً بأن ميزان القوة ليس لصالح القانون والدولة للمثال في نزاع بسيط قد تتحول الكلمات إلى تهديد والتهديد إلى إشهار للسلاح وقد يسمع المواطن عبارات  مثل جيب عمامك أو تعرف أنا منو  أو شتسوي سوي عبارات تبدو عابرة لكنها في بيئة مسلحة قد تكون مقدمة لنتيجة لا يمكن السيطرة عليها.

هنا لا تكمن المشكلة في السلاح وحده بل في ثقافة استخدام السلاح  عندما يعتقد شخص أن صفته العشائرية أو الوظيفية أو الحزبية  أو المالية تمنحه قوة فوق القانون . هذه هي أخطر حلقات المصفوفة.

مسؤولية الامن

من الإنصاف يجب الإشارة إلى التحسن الكبير في الوضع الأمني مقارنة بمراحل سابقة وهو إنجاز لا يمكن تجاهله لكن الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، الأمن الحقيقي يقوم على ثلاثية:

قوات أمنية تفرض القانون

ومجتمع يساند القانون

ومواطن يحترم القانون

ويثق بأن الدولة قادرة على حمايته وإنصافه وعندما يشعر المواطن  أن القانون يتراجع أمام النفوذ أو السلاح، فإن هيبة الدولة تتآكل تدريجيا.

تفكيك المصفوفة قبل جمع السلاح

إذا أرادت الدولة معالجة جذرية فلا بد من قراءة الظاهرة من جذورها لا من نتائجها فقط

المطلوب ليس مجرد جمع الأسلحة بل تفكيك مصفوفة السلاح نفسها من يحمله ولماذا يحمله  ومن يمنحه الشرعية ومتى يكون رسمياً ومتى يتحول إلى نفوذ واستغلال  وما الحد الفاصل بين الموروث والاحتياج الأمني والسلاح الرسمي والاهم السلاح المنفلت. كما يجب الاستفادة من دروس معارك التحرير وما أظهرته من تلاحم بين القوات الأمنية والمجتمع وتحويل ذلك الإرث إلى مشروع استقرار دائم.

حقوق مصانة

الدولة القوية ليست التي تمنع السلاح فقط بل التي تجعل المواطن  لا يحتاج إلى السلاح خارج إطارها وعندما يشعر المواطن  بأن حقوقه مصونة وأن القانون يحميه تتراجع الحاجة الاجتماعية للاحتماء بالسلاح تلقائيا او باي عنوان غير القانون، عندها تلتقي هيبة الدولة مع المواطنة الصالحة في معادلة  الحقوق والواجبات وسيادة القانون يتحول شعار حصر السلاح بيد الدولة من عنوان سياسي إلى واقع اجتماعي مستقر . فالمعركة ليست مع قطعة حديد بل مع ثقافة ومصالح ونفوذ وموروث وتراكمات النجاح يبدأ من فهم المصفوفة كاملة ثم معالجة كل جزء فيها بالوسيلة المناسبة حين يصبح

القانون هو مصدر القوة الوحيد والدولة هي المرجعية الوحيدة والمواطن هو المستفيد الأول من الأمن

عندها فقط نستطيع أن نردد بثقة:

بلد آمن وشعب سعيد بوضع مستقر.

 


مشاهدات 26
الكاتب محمد فخري المولى
أضيف 2026/09/12 - 12:35 AM
آخر تحديث 2026/09/12 - 12:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 18919 الكلي 16551439
الوقت الآن
السبت 2026/9/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير