ما العروبة في أعمق وأصدق معانيها إلا النضال في سبيل الحرية؟
خالد محسن الروضان
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، برزت دعوات متعددة استهدفت التشكيك في الانتماء العربي للعراق وفي هويته التاريخية والحضارية، وسعت إلى إضعاف الروابط التي تجمع العراق بمحيطه العربي، مستفيدة من ظروف الانقسام السياسي والاجتماعي التي رافقت تلك المرحلة. وقد جاءت هذه الدعوات بأقنعة مختلفة، فتارة تتستر بشعارات دينية، وتارة أخرى ترتدي لبوس التقدمية والحداثة، بينما يبرأ الإسلام الحقيقي والفكر التقدمي الأصيل من محاولات إثارة الانقسام والتشكيك بالهوية الوطنية والقومية.
إن خطورة هذه المسألة تفرض علينا أن نرتقي بوعينا إلى مستوى التحديات التي تواجه العراق والمنطقة، وأن نجعل من الديمقراطية والتعددية واحترام التنوع ركائز أساسية في مشروعنا الوطني والقومي، بعيداً عن المشاريع السلطوية والإقصائية. فالقضية ليست صراعاً بين الهويات، بل هي بحث عن رؤية وطنية جديدة تجمع العراقيين ضمن إطار المسؤولية التاريخية والمصير المشترك.
لقد كان العراق، عبر تاريخه الطويل، جزءاً أصيلاً من محيطه العربي، وأسهم في صياغة الحضارة العربية والإسلامية، كما كان شريكاً أساسياً في مختلف التحولات التي شهدتها الأمة العربية. ومن هنا، فإن عروبة العراق ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل انتماء حضاري وثقافي وتاريخي، لا يتعارض مع تعددية المجتمع العراقي وتنوع مكوناته، بل ينسجم معها ضمن إطار المواطنة الجامعة.
وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يرافقها من صراعات ومشاريع متنافسة، يواجه العراق تحديات مصيرية تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة النزعات الطائفية والعنصرية والانفصالية، أياً كان مصدرها أو مبرراتها. فهذه النزعات لا تخدم سوى إضعاف الدولة والمجتمع، وتفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية التي لا تنظر إلى المنطقة إلا من زاوية مصالحها الخاصة.
إن الدفاع عن الهوية العربية للعراق لا يعني الانغلاق أو العداء للآخر، بل يعني التمسك بالانتماء التاريخي والثقافي، وتعزيز علاقات التعاون والتضامن مع الدول العربية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فالعروبة بالنسبة للعراق ليست أحضاناً سياسية مؤقتة، بل هي انتماء حضاري ومصير مشترك.
وقد وضعت التحديات الراهنة العراق والعالم العربي أمام مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن والاستقرار ومستقبل الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاستسلام للخوف، بل تحويله إلى إرادة وشجاعة، ومواجهة الأخطار بروح التضامن والتكامل. فالأمم التي تتوحد في مواجهة التحديات تكون أكثر قدرة على حماية وجودها وصناعة مستقبلها.
إن العروبة، في أعمق وأصدق معانيها، ليست تعصباً أو إقصاءً، بل هي مشروع تحرر ووحدة وتضامن، وهي نضال مستمر في سبيل الحرية والكرامة والعدالة. وعندما ترتبط العروبة بهذه القيم الإنسانية، فإنها تصبح قوةً لبناء المستقبل، لا وسيلةً لإحياء صراعات الماضي.
فما العروبة، في جوهرها، إلا دفاع عن الإنسان وحقه في الحرية والسيادة والعيش الكريم، وما التضامن العربي إلا ضرورة تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات البقاء في عالم تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه موازين القوى.