حين أنجزت اطروحتي للدكتوراه في جامعة بغداد سنة 1979 ، وناقشتها وكانت بعنوان (تطور السياسة التعليمية في العراق 1914-1932 ) ، كان اسم المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله أمامي من خلال كثير من المصادر التي رجعت اليها سواء في بغداد او في لندن . وبعد سنوات كتبتُ عنه مقالة في الذكرى المئوية لجامعة بغداد في موقع ( دنيا الوطن ) الالكتروني وفي بعض الصحف العراقية ورحت خلال كل تلك السنوات اقرأ عنه وعرفت عنه الكثير واحببته ووجدت انه كان الى جانب اول رئيس لجامعة بغداد ، وهو الأستاذ الدكتور متي عقراوي من مؤسسي جامعة بغداد الفعليين .
ومن هنا كنت سعيدا حين كلفت بالكتابة عنه بإعتباره رئيسا لجامعة بغداد للمدة من 1959 الى سنة 1963 . ومما ساعدني على الكتابة توفر بعض المصادر عنه ومنها بعض سجلات ووثائق جامعة بغداد ، وما زلت أتذكر وانا طالب في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد بين سنتي 1964و1968 أتذكر ان كثيرا من اساتذتي وشيوخي كانوا يذكرونه بالخير ، وانه يعد من الإباء المؤسسين لجامعة بغداد وانه كتب عن (جامعة بغداد ..واجباتها وأهدافها ) وظهر ما كتب في (دليل جامعة بغداد) الذي نُشر في السنة الدراسبة 1959-1960 وقد اعيد طبع ما كتب في ( دليل جامعة بغداد ) للسنة الدراسية 1962-1963 .ومما كتبه عن تاريخ جامعة بغداد التي تولى رئاستها بين سنتي 1959-1963 ان فكرة الجامعة لم تكن حديثة العهد في العراق ’ و»لا هي ابنة السنة او وليدة تفكير قصير ، بل كانت عريقة عراقة البلاد ، قديمة قدم الحضارة التي نشأت بين الرافدين دجلة والفرات “ .
وقال :» ان التحريات والتنقيبات الاثرية في تل حرمل الواقع قرب بغداد اثبتت وجود المدارس المتخصصة بالعلوم البحتة عند البابليين القدماء . كما قد عني بعض ملوك الاشوريين في جمع الكتب التي كتبت على صفائح الطوب وتكوين المكتبات منها “ .
وعرج الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله على الفترة الإسلامية ، وربط تاريخ العراق في العصور القديمة بتاريخ العراق في العصور الوسطى الإسلامية وقال :» ان تاريخ العراق في الدور الإسلامي حافل بذكر المدارس التي كان يؤمها الطلاب من مختلف الأقطار نكتفي بذكر المدرسة النظامية ، والمدرسة المستنصرية منها وقد قامت تلك المدارس بدور فذ في تغذية الثقافة وتطوير العلوم والفنون والاداب “ .
وقف الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله عند الفترة المظلمة التي أعقبت سقوط بغداد على يد المغول سنة 656 هجرية 1258 ميلادية وقال :» وعندما استيقظ العراق من غفوته الطويلة قبيل الحرب الاستعمارية الأولى يقصد الحرب العظمى 1914-1918 ، شرع ببعض الدراسات العالية ، فانشئت كلية الحقوق سنة 1908 ثم دار المعلمين العالية (كلية التربية ) 1923 والكلية الطبية الملكية العراقية 1927 وكلية الصيدلة 1936 ثم تلتها سائر الكليات ومنها كلية الهندسة سنة 1942 وكلية التحرير سنة 1946 (كلية الملكة عالية للبنات قبل ثورة 14 تموز 1958) وكلية التجارة سنة 1947 . وهكذا كانت جميع هذه الكليات لاتعدو كونها مدارس عليا مهنية غايتها الوحيدة اعداد الموظفين او المتخصصين بمهن معينة .ولذلك فقد كانت المستويات العلمية فيها اوطأ من المستويات المرجوة لها .ولم تعن بالدراسات العلمية والأدبية الحرة كما انها لم تلتفت الى نواحي البحث العلمي والتحري عن الحقائق المعروفة ومدلى صحتها ومقدار انطباقها على الواقع ولذلك فقد كانت بعيدة عن تأمين الحاجة حتى ليتعذر علينا ان نعتبرها نواة للتعليم الجامعي الصحيح “ .
اكد الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله حقيقة مهمة بصدد نشأة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق ، حين أشار الى ان المجتمع والناس سرعان ما انتبهوا الى ما اسماه (فكرة الجامعة) والى ضرورة العمل على تحقيقها واظنه كان يريد ان يربط الفكرة العلمية هذه بالفكرة الوطنية ، عندما أشار الى ان هذه الأفكار ساعدت على نشر الوعي من خلال كتابات المثقفين والنخب وبعض المخلصين من أبناء الوطن ، وما كتبوه ونشروه عن أهمية التعليم الجامعي بدليل ان (الجامعة) أصبحت مطلبا شعبيا مهما . وقد كتب في هذا الأستاذ حسن الدجيلي في كتابه (تقدم التعليم العالي في العراق) وعندئذ اضطرت الحكومة الى مسايرة هذا الوعي والانسجام معه ، والقيام ببعض الخطوات في سبيل تحقيق انشاء جامعة في بغداد .
وهكذا تشكلت في سنة 1943 أول لجنة لدراسة مشروع الجامعة ووضع التقارير التي ترشد الحكومة الى كيفية العمل من اجل تنفيذ المشروع وكان يرأس اللجنة المستر هملي الخبير البريطاني ومن بين اعظائها فريق من العمداء والمربين العراقيين والأجانب .
في سنة 1949 تأسست كلية الاداب والعلوم ، وكان هذا القرار استجابة لتوصيات اللجنى وتم الشروع بوضع قانون جامعة بغداد في أيلول سنة 1956 فكان – بحق – هو الجر الأساسي لبناء جامعة بغداد وتأسيسها تأسيسا رسميا غير ان ذلك القانون ظل معطلا لاكثر من سنة ولم ينفذ الا في أواخر سنة 1957 حين عين الدكتور متي عقراوي اول رئيس لجامعة بغداد ، ثم عين أربعة من الأساتذة العراقيين أعضاء في (المجلس التأسيسي للجامعة ثم اضيف اليهم عضو خامس واتت ثورة 14 تموز 1958 ليشرع قانون جديد لجامعة بغداد وشرع قانون جامعة بغداد لسنة 1958 وبموجبه تم حل المجلس التأسيسي واستعيض عنه بمجلس الجامعة الذي اجتمع لأول مرة في تشرين الثاني سنة 1958 وكان من اهم ما حصل خلال هذه العملية الاعتراف بقيام جامعة بغداد وضم الكليات القائمة اليها .
بقي الأستاذ الدكتور متي عقراوي رئيسا لجامعة بغداد من تشرين الأول 1957 الى آب سنة 1958 وبعده تم اختيار مساعده الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيسا لجامعة بغداد وتولى المنصب في آذار 1959 حتى آذار سنة 1963 .
ويتطلب الامر هنا ان اقف لاجيب عن سؤال يتعلق بمن هو رئيس الجامعة جامعة بغداد الثاني وما هو تكوينه وكيف تم اختياره ؟
وللاجابة على هذا السؤال فإن مجلس الوزراء اجتمع وبحضور رئيس وأعضاء مجلس السيادة للنظر في اختيار رئيس ثان لجامعة بغداد فتم اختيار الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله ، وكان منافسه الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري عميد كلية الاداب والعلوم والذي اصبح الرئيس الثالث لجامعة بغداد منذ اذار 1963الى اب سنة 1967 . وثمة قصة تروى تتعلق بإختيار الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله ملخصها ان رئيس مجلس السيادة الفريق الأول الركن محمد نجيب الربيعي أشار الى ان الدكتور عبد الجبار عبد الله صابئي فرد الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة 1958-1963 بأننا بصدد اختيار (رئيس جامعة) وليس ( إمام جامع) وانتهى الامر بصدور الموافقة .
الدكتور عبد الجبار عبد الله من الذين دونت سيرتهم تدوينا تفصيليا وثمة من الف عنه كتابا قائما بذاته وهو الدكتور ستار نوري العبيدي . فهو أي الدكتور عبد الجبار عبد الله من مواليد قلعة صالح في العمارة في 14 تشرين الثاني سنة 1913 وهو من المنتمين للطائفة الصابئية أي المندائية الكريمة والتي تقطن في جنوب العراق منذ العصور القديمة دخل مدرسة قلعة صالح الابتدائية التي افتتحت سنة 1917 أي خلال فترة الاحتلال البريطاني وكانت تضم في حينه 45 تلميذا من المندائيين واليهود ومثلهم من المسلمين وبعد ذلك دخل الثانوية المركزية ببغداد وتخرج فيها متميزا مما اهله للالتحاق ببعثة الجامعة الامريكية في بيروت وفيها تخرج متخصصا بالفيزياء والرياضيات ثم سافر الى الولايات المتحدة الامريكية ملتحقا بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوستن وكان تخصصه هو فيزياء الانواء الجوية وكان المشرف على اطروحته للدكتوراه البروفيسور الدكتور برنارد هوروتز استاذ الانواء الجوية المعروف . عاد الى وطنه وعمل في التعليم الثانوي ودار المعلمين الابتدائية لفترة في العمارة وبغداد واصبح معاونا لمدير الانواء الجوية في مطار البصرة بين سنتي -١٩١٤ .
انشغل بالعمل الثقافي الوطني ، وانتمى الى ( جمعية الرابطة) التي تشكلت سنة 1943 ، وشغل منصب سكرتير تحرير مجلتها (الرابطة ) وقد كتب عن هذه الجمعية استاذي وشيخي الأستاذ الدكتور فاضل حسين وقال ان من ابرز اهداف جمعية الرابطة بث الثقافة العامة والروح الوطنية والديمقراطية والفكر العلم في العراق وقد انتمى الى هذه الجميعة نخبة من السياسيين والمثقفين المؤمنين بالفكر الديموقراطي الوطني التحرري ..
وبين سنتي 1948-1948 عمل استاذا للفيزياء في المعهد الذي تخرج فيه ، وهو معهد ماساتشوستتس للتكنولوجيا ١٩٩٤) ، وخلال عمله هذا انجز بحوثا قيمة في مجال حركة الأمواج ، ونشوء الأعاصير .
وعاد الى العراق بعد انتهاء فترة وجوده في الولايات المتحدة الامريكية وعين رئسا لقسم الفيزياء في دار المعلمين العالية 1958-1958 . وكما هو معروف ، كان المربي والمفكر العربي القومي الأستاذ ساطع الحصري هو عميدا لها ، وكانت الدار التي اصبح اسمها كلية التربية بعد ثورة 14 تموز 1958 مركزا من مراكز الفكر التحرري والتنويري . فضلا عن انها كان تضم شعراءا كبارا منهم بدر شاكر السياب ، ونازك الملائكة .
لم ينقطع الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله عن مركز دراسته في الولايات المتحدة الامريكية ؛ فقد التحق بجامعة نييورك بين سنتي 1952-1955 متمتعا باجازة دراسية انحجز فيها بحوثه المهمة عن ديناميكية الأعاصير وعاد الى العراق سنة 1957 ليعين عضوا في المجلس التأسيسي الذي نوهت اليه آنفا وكان برئاسة الأستاذ الدكتور متي عقراوي . كما اختير ليكون رئيسا لتحرير مجلة المجمع العلمي العراقي
وبعد قيام ثورة تموز عام ، عين الأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله امينا عاما لمجلس جامعة بغداد ، ورئيسا لجامعة بغداد وكالة . وفي سنة 1959 اصبح رئيسا لجامعة بغداد . ومن خلال الاطلاع على ما حصل في جامعة بغداد خلال فترة رئاسته للجامعة 1959-1963 يتضح انه وضع كثيرا من الأسس الإدارية والعلمية والأكاديمية والفكرية للجامعة وسرعان ما احتلت الجامعة في عهده مكانة علمية رفيعة واصبح يشار لها بالبنان وعدت من الجامعات المتقدمة في الشرق الأوسط واقبل عليها الطلبة من جميع انحاء العالم يدرسون فيها كما انها ضمت أساتذة كبارا عراقيين وعربا وأجانب وتم تطوير المناهج الدراسية فيها وذاعت سمعتها في العالم كله ومما يسعدني انني تخرجت فيها سنة 1968 متخصصا بالتاريخ .
طبيعي انعكست الصراعات السياسية على الجامعة خاصة بعد انقلاب 8 شباط 1963 فتم اعتقال من كان محسوبا على الزعيم عبد الكريم قاسم والشيوعيين والديموقراطيين واليساريين واعتقل بضعة اشهر من شباط 1963 الى يوم 8 تشرين الثاني 1963 . وبعد اطلاق سراحه ،عمل أستاذا وباحثا في مركز البحوث الوطني للانواء الجوية (١٩٦٥-١٩٦٦٦) وبعدها غادر العراق الى الولايات المتحدة الامريكية وعين أستاذا زائرا في بولدر كولورادو ،وهناك قام بعدد من البحوث كما اسهم مع جيمس اوبراين في تأليف كتاب حول الموجات ذات السعة المحدودة.
في سنة ١٩٦٦ انتقل الى جامعة ولاية واصبح استاذاً في قسم علوم الانواء الجوية وفي السنة التالية حصل على منحة للقيام ببعض الدراسات حول امكانية الانسان في السيطرة او تغيير الطقس وبالرغم من انجازه دراسة حول الطبقات الغيمية الا انه سرعان تعرض للوهن والمرض فقل انتاجه و توفي رحمه الله في ٩ تموز ١٩٦٩ سنة في مستشفى المركز الطبي في الباني نيويورك عن عمر يناهز ال ( ٥٦ ) سنة توفي رحمه الله وطيب ثراه وهو في عز عطاءه بسبب اصابته بمرض السرطان من نوع (هو جكنز ليمفوما ) ونقل جثمانه الى العراق ودفن حسب وصيته في المقبرة المندائية قرب بغداد . زوجته هي السيدة قسمت عنيسي الفياض ، وكان والدها يمتهن الصياغة وقد عينه الملك غازي ملك العراق السابق صائغا خاصا بالاسرة الحاكمة ومنحه لقب شيخ.وكانت زوجته معلمة في المدرسة الابتدائية وقد انجب منها أولاده سناء وسنان وهيثم وثابت . والاخ والصديق الدكتور ثابت عبد الجبار عبد الله يعمل عند كتابة هذه السطور أستاذا في كلية التاريخ بجامعة تورنتو في كندا .