رمضان يموت ببطء أمام الشاشة.على مائدة الإفطار، يجلس الجميع معاً… ولا أحد موجود.
الأم تُعدّ الطبق، والابن يُسجّل ستوري “إفطارنا اليوم”.
الأب يرفع يديه للدعاء، والابنة ترد بإيموجي “آمين” في مجموعة العائلة.
كلمة واحدة وجهاً لوجه، تلك التي تحمل نبرة الصوت ودفء العين، تُساوي ألف رسالة رقمية باردة لا تُشبع الروح.
التقاليد التي ميزتنا، تبادل الأطباق بين الجيران، زيارة الأقارب بعد التراويح، جلسات السمر حول “أبو طبل” أو “المحيبس”، تذوب تحت وطأة الإشعارات.
التهاني صارت “مبروك” في واتساب، تُقرأ وتُنسى في ثوانٍ.
الزيارة الحقيقية التي كانت تجمع الدموع والضحك والذكريات، استُبدلت بـ”فيديو كول” قصير ينتهي بـ”مع السلامة، عندي شغل”.
مع انتشار الإنترنت السريع والهواتف الذكية، بنى العراقيون إمبراطوريات وهمية: مجموعات “عائلة” افتراضية، أصدقاء بعيدون يشاركون “رمضان كريم”، حتى تبرعات خيرية تُرسل عبر لينك دون لقاء.
لكن الثمن باهظ: الحميمية تُدفن حية. المشاعر تُختزل في لايكات وقلوب حمراء، والعواطف تُقاس بعدد المشاهدات لا بعدد الدموع الحقيقية أو العناق الدافئ.
الأطفال والشباب، جيل الشاشات، يتعلمون أن الإفطار حدث يُوثَّق لا يُعاش.
ينشغلون بألعاب أو تيك توك بينما يُفطرون، فيفقدون درس الشهر: الصبر، التآلف، النظر في عيون الآخرين.
حتى الروحانية تُمسخ: تلاوة القرآن تُقطع بإشعار، والدعاء يتخلله “سكرول” لا ينتهي.
روح رمضان الواقعي تنهار تحت أنقاض الافتراضي.قيم التعاطف والتكافل تختفي، محاصرة بين جدران الشاشات.عادات شعبية وتقاليد تراثية – كاللمة حول المائدة والسهرات الجماعية – لم تعد موجودة، محوها الإدمان الرقمي.انتشار الصيام الشكلي: مجرد إمساك عن الطعام، دون إمساك عن الوهم.نحتاج إلى صيام عن العالم الافتراضي، لنعود إلى الواقع الحقيقي.التركيز على صيام افتراضي يرجعنا إلى الأصل: الطبيعة، الإنسانية، والروابط غير المزيفة.فقط هكذا ننقذ رمضان من قبر الشاشات.
النتيجة صادمة ومرعبة: عيد افتراضي يأكل الشهر الكريم دون أن يترك أثراً في القلب. نحن نجتمع جسداً ونفترق روحاً.
الهاتف لم يقربنا من العالم؛ بل أبعَدَنا عن أنفسنا وعن بعضنا أكثر من أي حرب أو أزمة.
نعيش معاً تحت سقف واحد… ونموت وحدنا أمام شاشة.