ترامب بين قوّةِ السلام والسلامُ بالقوّة
عبدالجبار الجبوري
تبدو الإستراتيجية الأمريكية ،التي ينتهجها الرئيس ترامب،مختلفة عن جميع الرؤساء الأمريكان عبر التاريخ، حيث يتفرّد بتطبيق شعاره العسكري والسياسي، ونظريته الإستراتيجية (السلام بالقوة)،والتي نفذ أولى صفحاتها مع الرئيس الفنزويلي مادورو،والآن يمارسها مع نظام الحكم في ايران،نعم نجح في فنزويلا، فهل سينجح في إيران،وترمب يسعى من خلال هذه النظرية ،تنفيذ المشروع الامريكي – إقامة الشرق الآوسط الكبير-،فبعد تدميرحماس في غزة ، وحزب الله في لبنان، والنظام السوري والحوثيين في اليمن،والتي كانت إيران تقاتل بهؤلاء جميعاً، بإعتبارها أذرعاً لها،ومنفذي مشروعها التوسعي،في إقامة الهلال الشيعي الإيراني الفارسي،إنتهت خطورة هذه الاذرع ،التي كانت تقاتل بالإنابة عن نظام الملالي في طهران، ولم يبق إلاّ نظام طهران،وأذرعه الولائية في العراق،كخندق أخير لترامب ،في تحقيق حلمه وحلم امريكا في الشرق الاوسط، والإستيلاء الكامل على النفط ،وتأمين أمن وإستقرار إسرائيل ودولتها اللقيطة ،ولهذا حشدت أمريكا كل ماتملكه من قوة عسكرية وتكنولوجية في تاريخها ،أحدث الطائرات الحربية، وأحدث الصواريخ التي تحمل رؤساً نووية ،والمسيرات والبارجات الحربية ،وأكثر من خمس من حاملات الطائرات وجيش قوامه أكثر من خمسين الفا مقاتل، يتمركزون في المنطقة، لتغيير وإخضاع النظام الايراني،إضافة الى القوة العسكرية الصهيونية لاسرائيل الهائلة ،وظهر تأثير هذه القوة العسكرية في حربها الاخيرة ،على مدن ايران ،حيث أنهت وقتلت أكبر قادتها ،من مدنيين وعسكريين وفي مقدمتهم ،المرشد الاعلى وقادة الجيش والحرس والوزراء ،وقادة الصف الثاني والثالث كلهم ،وحطمت قوة إيران البرية والجوية والبحرية ،وأخرجتها خارج الخدمة حسب التصريحات الامريكية ومانشاهده على الواقع،وقتلت جميع قادتها ،ودمرت معسكراتها وأغرقت غالبية سفنها الحربية ،في صفحة الحرب الاولى ، قبل أن تدخل في مفاوضات إستسلامية ،تفرضها على طهران في عمان وباكستان،ويمارس ترامب سياسة غريبة ،هي التفاوض من خلال القتال،أي فاوض وقاتل،وهذه السياسة يبغي من خلالها ،عدة أهداف الاول كسب الوقت ،لإستكمال الإستحضارات العسكرية ،ووصول البوارج الحربية وإعادة التموضع في المنطقة، والثاني شق الصف الايراني ،وإحداث انشقاقات بين الحكومة ،المتمثلة بالرئيس بزكشيان ورئيس البرلمان قاليباف وعراقجي، وبين قادة الحرس الثوري ،بقيادة الجنرال احمد وحيدي وجماعته المتشددين،والذين يرفضون التفاوض والإستسلام لترامب،في المقابل ،تبدو إيران مصرّة على الصمود ،ورفض وتجاهل تهديدات وعدوان امريكا واسرائيل ،والخضوع لمنطق السلام بالقوة، وتسليم اليورانيوم ووقف التخصيب وتدمير ترسانتها الباليستية الصاروخية ،ومسيراتها ومفاعلاتها النووية ،والذهاب الى نهاية الحرب مهما كانت النتائج الكارثية،التي تدركها طهران جيداً، وعاشتها مع إغتيال مرشدها الديني، وقادة جيشها وحرسها الثوري، وماحلّ بمفاعلاتها ،وللحقيقة مازالت طهران قوية كما يبدو،ومتماسكة ولايبدو ويظهرعليها التدمير وبمعونيات عالية، ولم يؤثر فيها ماحلّ بها في الحرب الاولى،وذلك لسببين اولهما أن إيران دولة مؤسسات،لاتتأثر بتفكيكها إدارياً،والثاني صمود ومساندة شعبها، ضد عدوان ترامب ونتنياهو ،مازالت تقاتل بنفس قتالي نادر رغم كل شيء،وهذا العناد والعنجهية الفارسية ،معروفة عنها عبر التاريخ،ولكن لابد من الوقوف أمامها ، فترامب يحسب لها ألف حساب، فهو يفاوضها ويعطيها فرضة إثر فرصة ،لاجبارها على الإستسلام بالقوة ،ولكنها تزداد صلابة وتعنتاً ، في ظنها أن سياسة ترامب هذه ،هي ضعف وليس قوة ،إذن الطرفان يمارسان (تقية)،ربما توصلهما لتحقيق الهدف ،وهو الإستسلام بدل الحرب، وتنفيذ الشروط قبل إندلاع وتجديد حرب ،قد لاتبقي ولاتذر للطرفين والمنطقة كلها، وهذا ماتحذّر منه وتحذره طهران،بتهديدها لدول الخليج العربي بالتدمير الكامل،في حين يصرّ ترامب والصهيونية ،على إعادة إيران الى العصر الحجري ، وتدميرها كاملاً،في هذا الوقت ، ترامب ونتنياهو يقاتلان وحدهما ضد إيران، وجميع الدول الاوروبية بين داعم في خلف الستار ،وبين صامت ، وبين رافض للحرب، كالناتو واسبانيا وغيرهما،في حين الصين وروسيا لم تخفِيان دعمهما لايران وتزويدها بما تحتاجه من معلومات واسلحة ومسيرات وصواريخ ، ولوقف الحرب،ومازال ترامب يأمل ويتأمل قبول ايران بشروطه، قبل إعطاء الأمر لقواته ،بدء الجولة الأخيرة من الحرب،وهنا لابد أن نشير الى أن مسرح العمليات العسكرية ،التي كان وسيكون العراق مسرحاً لها، في الجو والبحر والجو،فالعراق يعدّ محسوباً على إيران لدى امريكا واسرائيل، لوجود فصائل مسلحة ولائية تأتمر عقائدياً بأوامر إيران، وليس لحكومة العراق،وقد أعلنت هذا علانية ،وهي تشكّل عقبة كأداء أمام ترامب ونتنياهو ، لما تمتلكه من قوة عسكرية عالية،تفوق الجيش العراقي،وعقيدة راسخة في القتال بجانب طهران،وقد نفذت هذا في مشاركتها الحرب الاخيرة، بقصف قواعد أمريكية في العراق ودول الخليج العربي وسوريا،واسرائيل ،مما يحتم على أمريكا ،أن تنظر على أذرع ايران في العراق واليمن ولبنان، على أنها فصائل مسلحة عسكرياً وعقائدياً ،ملحقة وتابعة الحرس الثوري الايراني، ويجب مواجهتها بنفس القوة ، وشاهدنا هذا في القصف الاسرائيلي – الامريكي، الذي طال مقراتها في محافظات العراق وتدميرها،إذن الخنادق الآن كلها مكشوفة،أمام ترامب، وهو يظهر لها أنها بين خيارين أحلاهما أمرُّ من الآخر ،إما الإستسلام والخضوع وتنفيذ الشروط ،وأما الحرب والتدمير الكامل لكل هذه القوة ،مهما كانت التضحيات الأمريكية،بمعنى تنفيذ نظرية ترامب السلام بالقوة ، وإستخدام قوة السلام لتنفيذها ،في مفاوضات ومغريات سياسية ، وشقّ صف الحكومة والحرس الثوري،وقد تم له ،أن حصل إنشقاق واضح ، وخلافات كبرى بين الحرس الثوري المتشدد ،وقاليباف وعراقجي وهو ماينذر توسيع هوة الصراع بينهما ،إذن ماينتظر إيران والمنطقة ،هو مايقرره ترامب ، والكرة الآن بملعب إيران والحرس الثوري وليس بملعب ترامب، الذي يبدي عناداً وصموداً لامثيل له، قد يودي بإيران الى نهاية مأساوية، وهاوية سحيقة، بسبب إصرار ترمب وإسرائيل على مواصلة إسقاط النظام الايراني وقصقصة أذرعه في المنطقة، وإقامة شرق أوسط ،وتطبيع كامل في المنطقة مع اسرائيل،وايران والعراق الهدف الرئيسي لترمب في هذه الحرب ، لأنهما الخندق الاخير،في مواجهة التطبيع الاسرائيلي-الأمريكي، الحرب قائمة لامحالة ، في ظل فوضى سياسية وعسكرية ،في أكثر من مكان في عالم مضطرب ،لا أحد يعلم نهايته ،ورئيس أكبر دولة في العالم ،يسعى لحروب ،لإشباع رغباته ،وتحقيق أحلامه المريضة ،في قيادة العالم وإخضاعه ولو بالقوة له،فهو ينفّذ ويستخدم نظريته العصا والجزرة، وفي قوة السلام ،من خلال السلام بالقوة ،فهل يتحقق هذا الحلم الترامبي في المنطقة، ننتظر لنرى ....!!!