الموصل تنهض من بين الركام
حاكم الشمري
زيارتي للموصل مؤخرا ليست مجرّد جولة ميدانية عابرة، بل هي مواجهة حيّة مع ذاكرة مدينة حاولت أن تستعيد نفسها بعد واحدة من أقسى المحن في تاريخها الحديث، منذ اجتياح تنظيم داعش عام 2014 وما خلّفه من دمار واسع، لا سيما في الجانب الأيمن.
في شوارع الموصل الحدباء، حيث تختلط رائحة التاريخ بركام الأبنية، تبدو الحياة وكأنها تخوض معركتها اليومية للعودة. هنا، لا تزال بعض الدور مهدّمة، وجدران متصدّعة تروي قصص غياب أصحابها، أو عجزهم عن إعادة إعمار ما تهدّم من ممتلكاتهم الخاصة.
خلال لقاءات مع عدد من الشخصيات الموصلية ومسؤولين محليين، يتكرّس انطباع واضح هناك إرادة حقيقية لإعادة بناء المدينة، لكن الطريق ليس سهلاً. فملف الإعمار لا يتوقف عند إعادة الحجر إلى مكانه، بل يتعداه إلى حلّ تعقيدات الملكية، وتوفير الدعم المالي، وإزالة المخلفات الحربية، فضلاً عن إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
أحد المواطنين، وهو يقف أمام منزله المتضرر في الجانب الأيمن، اختصر المشهد بقوله إنهم “ينتظرون خطوة رسمية تعيد الحياة إلى هذه البيوت”، مشيراً إلى قرب صدور قرار من الحكومة المحلية لاستدعاء أصحاب الأبنية المتضررة، بهدف الوقوف على مشكلاتهم ووضع آليات عملية لإعادة إعمارها. هذا التوجه، إن تمّ تنفيذه بجدية، قد يشكّل نقطة تحوّل في ملف الإعمار، خاصة وأن معظم هذه المباني تعود لمواطنين لا يمتلكون القدرة المالية الكافية لإعادة البناء بمفردهم. كما أن إعادة الحياة لهذه المناطق تعني عودة النسيج الاجتماعي الذي تضرر بفعل النزوح والتهجير.
الموصل اليوم ليست مدينة منكوبة بقدر ما هي مدينة تحاول أن تتعافى. ومشاريع الإعمار بدأت تظهر في أكثر من موقع، والأسواق تعود تدريجياً إلى نشاطها، فيما تشهد بعض الأحياء نهضة عمرانية تعكس إصرار أهلها على تجاوز آثار الحرب.
لكن التحدي الأكبر يبقى في إعادة إحياء المناطق الأكثر تضرراً، خاصة في الجانب الأيمن، حيث لا يزال الدمار واضحاً، وحيث يتطلب الأمر جهداً حكومياً استثنائياً، وشراكات حقيقية مع منظمات دولية ومحلية.
من الموصل، يمكن القول إن الإعمار ليس مجرد إعادة بناء، بل هو إعادة كتابة قصة مدينة أُريد لها أن تنتهي، فاختارت أن تبدأ من جديد.