الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وداعاً فوزية العطية .. الباحثة والإِنسانة

بواسطة azzaman

وداعاً فوزية العطية .. الباحثة والإِنسانة

قصي منذر

 

غلبني الصمت وأنا أقرأ نبأ رحيل البروفيسور فوزية العطية على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد شعرت أن يد المنون امتدت لتختطف من بيننا عقلًا من العقول التي أضاءت طريق الوعي الاجتماعي، وقلبًا ظل قريبًا من نبض الأسرة العراقية وما يعتريها من تحديات، فكانت تلك القضايا عندها شؤونًا تحملها في وجدانها، وتبحث في خفاياها بعين الباحث وحرص الإنسان.

عرفت العطية عن قرب، وكانت بيننا أحاديث متصلة، يجر بعضها بعضًا، تدور حول هموم الناس وما آل إليه حال الأسرة، وما أخذ ينخر في تماسكها من تصدعات، وما استشرى في المجتمع من ظواهر مؤلمة، وفي طليعتها حالات الطلاق التي عدّتها الشرخ الخفي في جدار الأسرة؛ يبدأ صامتًا، ثم لا يلبث أن يتسع حتى يبدد السكينة، ويبعثر وشائج الألفة، ويورث الأبناء آثارًا عميقة تستعصي على النسيان.. فتقارب هذه القضايا بعقل الخبير، وعين الباحث، وقلب الأم؛ ترى ما يغيب عن كثيرين، وتؤثر سبيل المعالجة على الاستغراق في الشكوى، مؤمنة بأن لكل أزمة منفذًا إذا أخلصت النيات، وصفَت المقاصد.

ولعل اجتماع هذه الخصال هو ما منح شخصيتها ذلك الحضور الفريد؛ إذ كانت المعرفة موطن شغفها، والدقة سجيتها، وأناقة الصياغة سمة حديثها، ترتقي بالملاحظة الاجتماعية من حدود الوصف إلى أفق الرؤية، فتخلع عليها بعدًا فكريًا، وتمنحها من عمق التحليل ما يستوقف القارئ.

وفي ثنايا وداعها، وهي تمضي إلى جوار ربها، يعود إلى خاطري ذلك اليوم الذي رثيت فيه زوجها، وكيل وزارة الخارجية الأسبق محمد الحاج حمود، ذلك الرجل الذي أفردت له يومئذ مقالًا حمل عنوان (ساحر الدبلوماسية العراقية). يومها حسبت أن القدر قد استوفى نصيبه من هذا البيت الكريم، وأن يد الفقد قد اكتفت بما أخذ، غير أن الأيام عادت لتقتطع غصنًا آخر من دوحته الوارفة. وما أقسى أن يقف المرء عند الدار نفسها مرتين؛ بين الوداعين أعوام، وبين الوجعين قلب واحد، لم تبرأ فيه ندبة الفقد الأول حتى أيقظ الفقد الثاني وجعه من جديد.

لقد آمنت الراحلة بأن العلم رسالة، وأن المعرفة مسؤولية، فجعلت من الكلمة أمانة، ومن خدمة المجتمع غاية لا تحيد عنها، وسلكت سبيلها بإخلاص وصبر وإيمان. وتلك سيرة لا يطويها الرحيل، لأن الأثر الصادق أبقى من العمر، والذكر الحسن أرحب من حدود الزمان، ولا ريب أن ما غرسه أصحاب الرسالات في العقول والقلوب لا تقتلع جذوره يد الغياب، ولا مشاحة في أن الإنسان يقاس بما يخلفه من أثر، لا بما يقطعه من سنين.

فسلام على روحك في عليائها، ورحمة الله تغشاك بقدر ما زرعت في النفوس من وعي، وما بثثت في المجتمع من خير، وما تركته وراءك من أثر؛ فما كان لله وللناس يبقى وينمو، وإن غاب صاحبه عن الأبصار.

 

 

 

 

 


مشاهدات 35
الكاتب قصي منذر
أضيف 2026/08/05 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 11:15 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1154 الشهر 5651 الكلي 16095355
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير