فِي لُجَّةِ الْمَتْنِ الْكَوْنِيِّ
عبد المنعم حمندي
دَارَ الزَّمَانُ ..
فَخَلِّهِمْ يَتَحَيَّرُونْ
قَدْ مَادَتِ الْأَرْضُ بِهِمْ،
فَتَلَبَّسَتْهُمْ جِنَّةٌ
سَكْرَى الْمَجَازِ
وَهَا هُمُ يَتَبَخْتَرُونْ
غَامَ النُّعَاسُ عَلَى الْكُؤُوسِ قُبَيْلَ أَنْ
تَرْتَدَّ فِيهِمْ رِيبَةٌ قَبْلَ الظُّنُونْ
شَرِبُوا الْمَرَارَةَ، مُرْغَمِينَ،
وَمَا دَرَوْا نِيرَانَهَا من وحي كُنٔ .. فيه يكونٔ
أَهِيَ الْجَحِيمُ اسْتَبْدَلَتْ صَلْصَالَنَا، أم انها
بِظِلَالِ رَائِحَةِ الرَّمَادِ تَنَفَّسَتْ مَسَّ الْجُنُونْ
ضَوْءَ الْمَعَادِ وَمَا خَفِي فِي غَيِّهِمْ..
هَلْ يَعْمَهُونْ؟
تَبْكِي السَّمَاءُ دَماً عَلَى مَاضٍ نَأَى
وَعَلَى أَصَابِعِنَا الَّتِي جَفَّتْ لِتَكْتُبَ حزنهَا
وَتُرَابُنَا الْمَذْعُورُ يَبْلَعُ..
مَا زَرَعْنَا مِنْ زُهُورِ الْيَاسَمِينْ
وَمُذْ سَكَتْنَا خَائِفِينَ
وَتَارِكِينَ ظِلَالَنَا لِلْمَارِقِينَ
تكأّبت أحلامنا
حَيْثُ المنيّةُ طَعْمُهَا مُرُّ المَذَاقِ
وشرابها فِي المِلْحِ، من قَيْحِ السِّنِينْ
مُتٔنا حيارى سائلين:
أين الوعود .." وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ "الضحى؟
الوعد الخلاص والنجاة من الخطيئة ٱمنين
لكننا عُدنا عراةً مثلما جئنا عراة ....
هَذِي الْمَقَابِرُ أَوْسَعَتْ أَضْلَاعَهَا للنَّاذِرِينَ
الْآسَ وَالنَّعْنَاعَ لِلْفَجْرِ الْمُبِينْ
مَنْ نَحْنُ حَتَّى نَفْتَدِي بِدِمَائِنَا
سُورَ الظَّلَامِ بِنَصِّ حَرْفٍ غَابِرٍ
فِيهِ الْقِيَامَةُ بَعْثُنَا فِي نُورِهِ؟
مَوْتَانِ جِئْنَا، وَالْمِيَاهُ مَعَادُنَا
تَجْرِي عُرُوقاً مِنْ ضِيَاءٍ ألْغَيْبِ،
تَعْجِنُ طِينَنَا
مَتْنُ الْحَقِيقَةِ نَحْنُ فِي تَدْوِينِهِ
وَإِذَا مَكَثْنَا فِي اللَّهِيبِ تَطَهُّراً
فَالصَّبْرُ يُطْفِئُ جَمْرَهُ بِفَنَائِهِ
لَا تَسْتَغِيثُ جُلُودُنَا مِنْ نَارِهِ
مَا دَامَ سِرُّ الْوَجْدِ فِي نَجْوَائِهِ
قَدْ صَارَ جِلْدُ العَارِفِينَ عَبَاءَةً بَيْضَاءَ،
تَنْزِفُ عَنْبَراً فَوْقَ اللَّظَى
نَبَتَ الْقَتَادُ بِأَرْضِنَا، وَزَقُّومُهَا بِبَلَائِهِ
عِشْنَا زَمَانَيْنِ،
فَمَوْتٌ قَبْلَنَا
وَالْوَقْتُ يَجْمَعُنَا بِيَوْمِ لِقَائِهِ
فِي حَضْرَةِ الْمَحْوِ الْعَظِيمِ..
نَذُوبُ مِثْلَ النَّارِ فِي أَكْوَانِهِ
وَنَغِيبُ فِي السِّرِّ الْعَمِيقِ..
......
فَمَا أَنَا..
إِلَّا بَقَايَا نَفْخَةِ السِّرِّ الَّذِي مِنْ طِينِهِ!
تِلْكَ الْمَقَابِرُ وَالْوَهَادْ
تِلْكَ الْمَقَابِرُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عُبُوراً..
نَحْوَ مِيقَاتِ الْمَعَادْ
فَاضَتْ كُؤُوسُ الْعَارِفِينَ..
وَمَا ارْتَوَتْ صَحْرَاءُ عَالَمِنَا..
بِأَمْطَارِ الدِّمَاءِ عَلَى الْبِلَادْ..
لَعَلَّهَا تَسْطِيعُ فَكَّ قُيُودِهَا
لَكِنَّنَا لَمَّا صَعِدْنَا..
وَتَلَمَّسَتْ أَرْوَاحُنَا أَفْلَاكَهُ
بَعْدَ الْعُرُوجِ لَمْ نَجِدْ فِي الْكَوْنِ..
غَيْرَ الْمَتْنِ مَوْجُوداً.. عَلَى أَقْوَامِ عَادْ
دُونَ الْحَقِيقَةِ.. فِتْنَةٌ..
وَجَمَاجِمٌ جَفَّتْ، وَأَشْلَاءٌ تَبَدَّدُ فِي السَّوَادْ
وَالْمَوْتُ نَامُوسُ الْحَقِيقَةِ فِي الْوُجُودْ
بَوَّابَةُ الضَّوْءِ الْأَخِيرِ،
إِذَا نَفَضْنَا عَنْ معاصمِنَا القُيُودْ
كُنّا نَخَافُ جَفَافَهُ..
بَلْ عَوْدَةُ النَّهْرِ الشَّرِيدِ إِلَى النُّبُوعِ..
إِلَى غِيَابَاتِ الخُلُودْ!
نَزَعَ الجَسَدْ..
ثَوْبَ الغُبَارِ،
وَشَمَّ رَائِحَةَ التَّجَلِّي فِي الصَّمَدْ
فَإِذَا بِهَذَا المَوْتِ لَمْسٌ دَافِئٌ..
يَشْفِي جِرَاحَ العَارِفِينَ،
وَيَحْضُنُ الطِّينَ المُقَدَّسُ..
بَعْدَ أَمْوَاجِ النَّكَدْ!
هُوَ لَيْسَ صَمْتاً بَارِداً..
بَلْ صَرْخَةُ المَعْنَى
الَّتِي سَكَنَتْ عِظَاماً مِنْ مَسَدْ
فَاقْرَأْ كِتَابَكَ يَا سَلَامْ
وَاسْمَعْ نَشِيجَ النُّورِ يَخْتَرِقُ العِظَامْ
مَا عَادَ يُرْعِبُنَا الْحِمَامْ
إِنَّا رَأَيْنَا اللهَ فِي قَهْرٍ
وَعَيْنِ مَنْ مَاتُوا.. عَلَى أَرْضِ الْحَرَامْ
عَيْنٌ مُعَلَّقَةٌ بِأَسْتَارِ السَّمَاءِ،
تَذُوقُ طَعْمَ نَعِيمِهِ قَبْلَ الخِتَامْ
نَمْ يَا تُرَابُ..
فَقَدْ عَرَفْنَا مَنْ نَكُونُ..
وَمَنْ سَيَبْقَى.. فِي الْمَقَامْ
يَا أَيُّهَا الطِّينُ الْمُقَدَّسُ..
لَا تَخَفْ غَدْرَ اللِّئَامْ
كُلُّ الْمَوَاخِيرِ الَّتِي نَبَتَتْ بِحَقْلِكَ..
سَوْفَ يَجْرِفُهَا الردَى،
وَيَظَلُّ وَجْهُكَ طَاهِراً،
عَبِقاً بِرَائِحَةِ الغَمَامْ
مَتْنُ كُلِّ حقيقةٍ
فَجْراً يَشُقُّ رِدَاءَ أَقْبِيَةِ الظَّلَامْ!
......