الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 سَبْعُ لُغَاْتٍ فِيْ بَيْتِ العَائِلَةِ    


 سَبْعُ لُغَاْتٍ فِيْ بَيْتِ العَائِلَةِ    

كـريم عـبيـد علـوي *

 

            قَدْ لاْ نَعثرُ بينَ طيَّاتِ الكتَابِ الذي ننفقُ عليه وقتلاً طويلاً فِي القراءة على ما يروِّي فُضولَنا المعرفيّ فَنُصَابُ بخيبةِ الأملِ ، وقدْ تنقلنا عبارةٌ ما أو كلمةٌ ليستْ من المتنِ العلميّ ، فتشرعُ لنا نافذةً جميلةً نطلُّ بها على فكرةٍ نستوحيها نحنُ ، مما يشكّلُ لنا سلوةً ويحثّنا على قراءة الكتاب حتى نهايته ، وهذا نادراً ما يحصل.

 كتابُ ( اللُّغة والثَّقافة) للكاتبة (كلير كرامش) أستاذة اللُّغات الالمانيَّة بجامعة كاليفورنيا هو من هذا  النَّوع . هذا الكتاب الذي ترجمه أحمد الشّيميّ  وراجعه عبد الودود العمرانيّ بطبعته الأولى 2010 بقطر من نشر وزارة الثَّقافة والفنون والتُّراث ، وهو كتابٌ يتناولُ علاقة اللُّغة بالثَّقافة ، ويكادُ أنْ يضمَ الكتابُ أهمَ مسائل علاقة اللُّغة بالثَّقافة والمجتمع ويضم مفاهيم كسياق الحال ومفهوم المعنى والعلامة اللسانيَّة والنَّظريَّة النّسبيَّة اللُّغويَّة للعالم (وورف)  وعلاقة اللُّغة بالهويَّة والتَّعدد اللُّغويّ ومباحثَ دلاليَّةً وتداوليَّةً كثيرةً . 

  الكتابُ يشكّل مقدّمةً تمهيديَّةً  مُيسَّرةً يُنصحُ بمطالعتها ــ في ظني المتواضع ــ للقارئ غير المختص بعلوم اللغة أو للمبتدئ  الذي يريد أن يَشُقَّ طريقه بالتخصص بحقل العلوم اللسانيَّة . وصحيحٌ أنَّ الكتابَ لا يأتي على جديدٍ مما هو شائعٌ في مضان الدّراسات اللُّغويَّة العربيَّة المعاصرة ؛ فهناك ما هو أكثرُ غزارةً في التَّفصيل وعرض كبرى  القضايا  المتعلقة باللُّغة والثَّقافة بطريقةٍ جدليةٍ لا بطريقةٍ مدرسيةٍ تقريريةٍ كما صنعت الكاتبةُ لأغراض تعليميةٍ ، ولكن يُحسبُ للكتابةِ أنَّها سردتْ أمثلةً لغويَّةً متنوعةً في الموازنة بين اللُّغات في كيفية تصنيفها وتسميتها للأشياء ونُظُمِ تمثيلها . لتؤكد ذلك التَّصور اللُّغويّ الذي ما برحتْ تؤكّدُهُ  الأدبياتُ الفلسفيَّةُ واللُّغويَّة من أنَّ لكلِ لغةٍ نظاماً بنيوياً يُصنّفُ الأشياءَ ويقسّمها تبعاً لذلك العقل النَّاطق بتلك اللُّغة ، فاللُّغة تمارسُ سُلطةً قهريةً على المتحدث بها ، فهي تملي عليه الإطارَ التَّصوريّ الذي يتمثَّل الأشياءَ الخارجية من خلاله ، فهي ليستْ وسيطاً حيادياً شفَّافاً يعكسُ الأشياءَ بطريقةٍ موضوعيةٍ حياديةٍ كما تعكسُ المرآةُ الصّورةَ المنعكسةَ بها ، فالشَّخصان المتحدثان بلغتين مختلفتين لنْ يُفكّرا بطريقةٍ واحدةٍ في الموضوع الواحد ، فلكلٍ لُغتُهُ الخصيصة به ، فهي تشكّل هويته وطريقة تفكيره . وعلى الرّغم من خلو الكتاب منْ أي تناولٍ جديدٍ فيْ شأنِ اللُّغة والثَّقافة ، ولكني أَكْبرتُ الكاتبةَ والكتابَ  بسبب مقدمته وتحديداً  بسببِ الإهداء الذيْ اشتملتْ عليه مقدمتُهُ ، فقد أزجتِ الشّكرَ لكثيرين تُدينُ لهم بالفضل لتختم مقدمة كتابها بسطرين قَائِلةً : (( كما أهدي هذا الكتاب إلى أوّل أحفادي الذي ولد في بيت تتلاقى فيه سبعُ لغاتٍ وسبعُ ثقافاتٍ)) .

 عبارة مدهشة حقاً !  وللخيال أن يُفسّرَ هذه العبارة بكون الوالدين للحفيد  يتحدثان بلغتين مختلفتين ، والجد للأب لغته ، والجدة للأم  لغتها المختلفة ، والجدة للأم هي الأخرى لها لغتها الخصيصة بها ،  وربما الأصهار لهم لغتهم المختلفة ، ولمربية الطفل لغتها أيضاً . 

وهذا يعني أنَّ قومياتٍ شتى وعروقاً شتى ودماءً وأمشاجاً كثيرة  وثقافات متنوعة وطرق تفكير مختلفة تتلاقحُ وتلتقي و تتواءمُ بجو أسريّ حميمٍ  .

فإذا كانَ الشَّتاتُ  اليهوديّ بعد السّبي البابليّ مسؤولاً عن إنتاج الكثير من أساطير العهد القديم معبراً عن محنتهم وتشرذمهم  ، فإنَّ واحدةً من تلك الأساطير التي يرويها سفرُ التَّكوين هي أسطورةُ نشأة اللُّغات  ، فالعقابُ الإلهيّ حَلَّ بأرض ( شنعار) التي عُرفتْ فيما بعد بـ (بابل) بعد أن تحدى أهلُها إرادةَ الرَّب ببنائهم لذلك الصَّرح العظيم ، فما كان من الرَّب إلا أنْ يُنزلَ العقابَ بهم ، فتشتت شملُهم وتفرقوا في البلاد وتبلبلت ألسنتُهم بعد أنْ كانوا يتحدثون لغةً واحدةً .  فهذه الأسطورة لم تعدْ حلماً جماعياً في الذَّاكرة الأوربيَّة يُعبّر عن مخاوف مكبوتة ، فثمة تحولات فيْ مفهوم الهويَّة ، فلم تعدْ الهويَّةُ هويةً دينيةً تخلع صفة المقدس على لسانها وتتوجس من الأغيار ، ولم تعدْ الهويةُ هويَّةً قوميَّةً تنتشي بغرور تفوقها العرقيّ وتزدري لسانَ الآخر وثقافته.  

على حين في واقعنا العربيّ المعاصر وفي لغتنا العربيَّة الواحدة يمثل التَّنوع اللهجيّ (المناطقيّ)  في إطار مفرداتٍ  يُبدَلُ بعض أصواتها  نقول يمثل التَّنوع اللهجيّ تمايزاً يشكّل مسافةً نفسيةً بين أبناء الوطن الواحد ، فكلٌ يبقى عالقاً بتلك الحدود النفسية ولا يبرحُها ، فيرسمُ ذلك التنوعُ اللهجيّ الطفيفُ محظوراتٍ أمامَ البوحِ والإفصاح ويضعُ كوابحَ أمام النّقاش  ، فتشكلُ لهجةُ الآخرِ سياجَ تحفظه إذا كان يلتزمُ سمتُ الذَّوق والأدب في الحوار ، أو تغري نزقه وطيشه في إغاضة الآخر إذا تخلى عن مبدأ الأدب في الحوار. لابل اتَّخذ ذلك التَّنوع مساراً تأويليّاً عند الجماعات الإرهابيَّة في تحديد هويَّة النَّاطق و مرجعيته الدينيَّة و المناطقيَّة حين كان القتلُ على الهويَّة مشرعاً فِيْ كثيرٍ من البلدان العربيَّة  فيْ أحداث العنف والحروب الأهليَّة  مما يُؤسفُ لَهُ .

 إنَّ مجتمعاً كمجتمع مؤلفة كتاب( اللُّغة والثَّقافة ) يتقن فَنَّ التَّعايش وقبولَ الآخرِ لن يبقي أمامنا  معضلةً في تفسير سرّ تفوقهم في حقل (الانثروبولوجيا) والمعارف اللغويَّة والثَّقافيَّة التي تنصهر في  الحقل الذي استوردناه منهم  واسميناهُ بـ (اللسانيَّات الاجتماعيَّة ) وتخلفنا نحنُ حتى فيْ مجالِ الدّراسَاتِ اللُّغويَّة ، فبتنا مستهلكيْنَ آخذيْنَ لا منتجِيْنَ فَاعَلِيْنَ .

*باحث وتدريسي بجامعة بغداد


مشاهدات 141
الكاتب كـريم عـبيـد علـوي
أضيف 2026/04/19 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/04/20 - 6:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 225 الشهر 16626 الكلي 15234699
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير