فاتح عبد السلام
المحافظات تعتمد على الموازنة العامة، لكنها لا تزال تفهم معنى الاستقلالية في القرارات والمشاريع فهماً جزئياً وخاطئاً، هي مستقلة لكنها تريد الأموال من الموازنة العامة، وهذا حق في الناتج المحلي للبلد لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد.
لماذا لا توجد مجالس محافظات لها رؤية تخطيطية تنتشل المدن والاقضية والنواحي من واقع بائس وغير صالح لعيش البشر بما يتناسب مع ما وصل له الكوكب في القرن الواحد والعشرين في كثير من الأحيان.
لماذا لا تمتلك المحافظات لاسيما الغنية منها في مواردها صناديق استثمارية تعزز موازنتها المحلية في الازمات وعلى المدى الطويل. أليس من الضروري ان تكون هناك خطط طوارئ مالية مثلما هناك خطط طوارئ أمنية؟
عرضت هذا التساؤل على احد الاقتصاديين في داخل العراق، والقريب من إدارة احدى المحافظات، وأجابني ببساطة ان نظام العمل في مجالس المحافظات لا يتيح النجاح في ذلك، والسبب هو انّ أعضاء المجالس لهم نسبة في كل المشاريع، وهذا لا يترك مجالا لوفرة مالية خارج الإيرادات الرسمية من بغداد. الرجل كان يتحدث عن خبرة واطلاع على واقع الحال، وكان طبيعيا في ايراد الأسباب لأنه يتحدث عن أمور طبيعية في الإدارات المحلية.
هذا واقع صعب التغيير ما لم تقف العملية السياسية بوصفها صاحبة الرهن العظيم المكبل للبلد موقفاً في اصلاح هذا الانحراف قبل أن نبلغ الهاوية التي لا ندري ان كنا نقترب منها او وقعنا فيها، ومن عبر ظلامها نتكلم.
من يستطيع ان يوقف الانهيارات في المحافظات، بعض أبناء العراق المغتربين عادوا لمدنهم التي غادروها قبل ثلاثين سنة وقالوا، انّ مدنا كبيرة في عناوينها كأنّ دينارا واحدا من الترليونات التي اهدرت لم يصرف عليها.
أحدهم قال لي، انّ “الطسّة” الكبيرة في شارع بيتهم قبل ثلاثين سنة لا تزال على حالها، وتساءل بمرارة: كيف تريد مني أن اعود الى البلد؟
قلت له: طسّة بيتكم تهون أمام طسّة البلد العظمى