إثنان وبينهما المحذوف
علي السوداني
شيئاً فشيئاً وثلمة بعد ثلمة وطعنة تسحل طعنة وشهقة حرفٍ يعرج في ذيل المكتوب ، سينتهي عصر الشاعر والقاص والروائي والرسام والنحات والناقد ، حيث صار بمستطاع الحداد الذواقة الذكي الصبور مثلاً أن يلملم بقايا قطع الحديد التي فاضت من عملية صنع شباك وسرير ، ليقوم بتجميعها ولصقها ولحمها عشوائياً ، ثم غرسها فوق دكة معمولة من الإسمنت أو الخشب وتقديمها للنظارة على أنها صنف من عمل الفنان ، لكنَّ فهمها وهضمها واستيعابها سيكلف الرائي إليها كمية هائلة من الوعي والثقافة البصرية وشحن مجسات الذائقة بالكد الفكري وبالتدريب !!
الفك الألكتروني الذكي سيبتلع جماليات الأرض كلها كما ولدت أول مرة .
تزعجني كثيراً وحدة الموضوع التي يراها النقدة التعساء ، لذلك سأتفكك وأنثال وأتدرّع
بنفحات تيار اللا وعي وأكتب لكم عن نبتة اسمها عصا موسى . انها زرعة جميلة تتلولب على
عدة عقد وتزرع في الماء فقط . يسمونها خيزران الحظ ، ويعتقد الفقراء اليائسون بخيراتها
وبركاتها على العائلة . عندما تطحنك الأيام فعليك أن تؤمن بجالبة الرزق هذه رجاءً .
قبل ثلاثة أيام فوجئت بساقها الطويل وقد صار نصفه أصفر ، وتلك علامة حاسمة من علامات
موت النبتة الطيبة . حدث هذا الأمر مع أختها التي ماتت قبل سنة . في محاولة يائسة قمت
بتبديل الماء المشتولة فيه ، ثم نقلتها الى الحمام ووضعتها تحت الحنفية ونظفتُ شعيرات
جذرها المنهك ، فرأيت في ما رأيت جثة آدمي مركونة فوق دكة المغسل الباردة .
الليلة هي مصلوبة أمامي وقد صعد الصفار فوصل حدّ عنقها الملتوي ، كما لو أنه سرطان
يتلذذ بتعذيب فريسته . نصحتني أم محمد بأن أضع ملعقة سكّر فوق ماء النبتة كي تستعيد
بعض عافيتها ففعلت ذلك ممتناً .