تحرير العراق.. لماذا وكيف
محمد عبد الجبار الشبوط
إنّ المشكلة في العراق لم تعد تقتصر على أخطاء الحكومات أو ضعف الخدمات أو انتشار الفساد فقط، بل أصبحت أعمق من ذلك بكثير، لأنها ترتبط بطبيعة البنية السياسية التي تشكّلت بعد عام 2003، وهي بنية قامت تدريجياً على المحاصصة الطائفية والتوافق بين القيادات الحزبية، لا على الإرادة الشعبية الحرة ولا على المبدأ الديمقراطي الحقيقي القائم على أن الشعب هو مصدر السلطة.
وقد لخّصت النائب هيام الياسري جانباً من هذه الأزمة حين قالت إن عدداً محدوداً من الأشخاص يحددون الرئاسات الثلاث بينما تُهمَّش ملايين الأصوات الانتخابية. وهذه الملاحظة لا تعبّر فقط عن خلل سياسي عابر، بل تكشف تحوّل النظام السياسي تدريجياً من ديمقراطية انتخابية إلى ما يمكن تسميته بـ «الأوتوقراطية الانتخابية»، أي نظام تُجرى فيه الانتخابات شكلياً، لكن القرار الحقيقي يبقى بيد القيادات الحزبية المغلقة.
ولذلك فإن الدعوة إلى تحرير العراق من هيمنة القيادات السياسية الطائفية ليست دعوة ضد أشخاص بعينهم، بل هي دعوة لتحرير الدولة والمجتمع والإرادة الشعبية من نظام سياسي عطّل التطور الطبيعي للديمقراطية.
وهناك أسباب كثيرة تجعل هذا التحرير ضرورة وطنية وتاريخية، من أهمها:
أولاً: لأن هذه القيادات قامت في أغلبها على أساس الانتماء الطائفي أو القومي أو الحزبي المغلق، لا على أساس الكفاءة الوطنية الجامعة، مما أدى إلى تقسيم المجتمع سياسياً ونفسياً وإدارياً.
ثانياً: لأنها همّشت الانتخابات ونتائجها الفعلية، فتحولت الانتخابات من وسيلة لتداول السلطة إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج التوازنات نفسها داخل الغرف المغلقة.
ثالثاً: لأنها عطّلت مبدأ الأغلبية والمعارضة (الفائز يحكم والخسران يعارض)، مع تعريف الفوز بانه الحصول على نصف مقاعد البرلمان +١ ، وهو جوهر الديمقراطية الحديثة، فصار الجميع يريد المشاركة في السلطة مهما كانت نتائج الانتخابات، وتحولت الحكومة إلى ائتلاف دائم للمحاصصة.
رابعاً: لأنها أضعفت مفهوم المواطنة، وأحلت بدلاً منه الولاءات الطائفية والحزبية، حتى أصبح المواطن يشعر أحياناً أن انتماءه السياسي أو الطائفي أهم من انتمائه الوطني.
خامساً: لأنها ساهمت في إنتاج بيئة واسعة للفساد، إذ تتحول الوزارات والمؤسسات في ظل المحاصصة إلى مناطق نفوذ حزبي يصعب إخضاعها للرقابة الحقيقية.
سادساً: لأنها عطّلت بناء الدولة المؤسسية الحديثة، إذ أصبحت كثير من مؤسسات الدولة مرتبطة بالتوازنات السياسية أكثر من ارتباطها بالقانون والكفاءة المهنية.
سابعاً: لأنها دفعت قطاعات واسعة من الشباب إلى اليأس والعزوف عن المشاركة السياسية، نتيجة الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تغيّر شيئاً جوهرياً في بنية السلطة.
ثامناً: لأنها جعلت القرار الوطني أضعف أمام التدخلات الخارجية، فكلما انقسم الداخل طائفياً وحزبياً أصبح أكثر قابلية للاختراق الإقليمي والدولي.
تاسعاً: لأنها كرّست ثقافة الزعيم والطائفة والحزب، بدلاً من ترسيخ ثقافة الدولة والقانون والمؤسسات.
عاشراً: لأنها منعت التداول الحقيقي للسلطة، فتحولت النخب السياسية إلى طبقة شبه مغلقة تعيد إنتاج نفسها منذ سنوات طويلة.
أما السؤال الأهم فهو: كيف يمكن تحرير العراق من هذه البنية السياسية؟
هناك طرق كثيرة يمكن الحديث عنها، لكن أقلها كلفة وأكثرها انسجاماً مع منطق الدولة والمجتمع هو ما يمكن تسميته بـ «الثورة الناعمة»، أي التغيير السلمي الدستوري التدريجي غير المسلح وغير الدموي، القائم على الوعي والتنظيم والضغط الشعبي الديمقراطي.
فالتغيير الحقيقي يبدأ حين يتحول الوعي الشعبي من الولاء للطائفة إلى الولاء للدولة، ومن الدفاع عن الزعيم إلى الدفاع عن القانون، ومن البحث عن الحصة إلى البحث عن العدالة والكفاءة والمواطنة.
كما يبدأ حين يدرك المواطن أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي احترام نتائج الانتخابات، ووجود معارضة حقيقية، وتداول فعلي للسلطة، ومحاسبة مستمرة للحكام.
إن العراق لا يحتاج إلى الفوضى ولا إلى العنف، بل يحتاج إلى وعي سياسي جديد يحرر الدولة من أسر الطائفية والمحاصصة، ويفتح الطريق نحو دولة وطنية حديثة تقوم على المواطنة والكفاءة والعدالة وسيادة القانون.