الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فؤاد حسين… مدرسة الهدوء في زمن التوتر

بواسطة azzaman

فؤاد حسين… مدرسة الهدوء في زمن التوتر

عطا شميراني

 

اليوم، ومع تسلّم فؤاد حسين حقيبةَ وزارة الخارجية مرةً أخرى، يعود إلى الواجهة سؤالٌ مهم في السياسة العراقية: لماذا تستمر بعض الشخصيات في البقاء داخل المشهد رغم تغيّر الحكومات والعواصف السياسية؟

الجواب ربما يكمن في أن بعض المناصب لا تحتاج إلى السياسي الأكثر ضجيجاً، بل إلى الرجل القادر على إدارة التوازنات بهدوء، وفهم العالم بلغة المصالح لا الانفعالات.

في عالم السياسة، ليست كل المناصب تُدار بالشعارات، ولا كل الدول تُحمى بالصوت المرتفع والخطابات الحماسية. هناك مواقع حساسة تحتاج إلى شخصيات تمتلك شيئاً أعمق من الكاريزما الإعلامية؛ تحتاج إلى عقلٍ يعرف كيف يفكر، وكيف يقرأ العالم، وكيف يوازن بين المصالح وسط منطقة تمتلئ بالصراعات والتناقضات. ولهذا يبدو فؤاد حسين واحداً من الشخصيات السياسية التي استطاعت أن تفرض حضورها بهدوء، وأن تقدم نموذجاً مختلفاً لرجل الدولة في العراق والمنطقة.

حين نتأمل سيرته الأكاديمية والسياسية، ندرك أن الرجل لم يصل إلى موقعه بالمصادفة. فدراسة الأدب الإنكليزي ثم العلوم السياسية والعلاقات الدولية منحته رؤية واسعة تتجاوز حدود السياسة التقليدية. فالأدب يفتح أبواب فهم الإنسان، والسياسة تعلّم قراءة الدول، أما العلاقات الدولية فتمنح القدرة على فهم توازنات العالم المعقدة. وهذه التركيبة الفكرية جعلت من فؤاد حسين شخصية تختلف عن كثير من السياسيين الذين يدخلون السلطة بلا خلفية معرفية حقيقية.

في الشرق الأوسط، غالباً ما تتحول السياسة إلى ساحة انفعالات وصراعات إعلامية، لكن بعض الشخصيات تدرك أن الهدوء ليس ضعفاً، بل نوعٌ من القوة. وفؤاد حسين يبدو من هذا النوع؛ رجل يتحدث بهدوء، ويتحرك بحذر، ويعرف أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالحسابات الدقيقة. وربما لهذا السبب استطاع أن يحافظ على حضوره السياسي رغم كل التغيّرات والعواصف التي مرّ بها العراق خلال السنوات الأخيرة.

عودته إلى وزارة الخارجية تأتي في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يقف العراق وسط شبكة معقدة من التوترات الإقليمية والدولية. وفي مثل هذه اللحظات، تبدو الخبرة السياسية والهدوء والقدرة على قراءة التحولات الدولية أكثر أهمية من أي خطاب حماسي.

منذ تسلمه وزارة الخارجية، واجه العراق تحديات شديدة التعقيد. المنطقة بأكملها كانت تعيش حالة من التوتر السياسي والأمني، والعراق نفسه كان يقف في قلب صراعات إقليمية ودولية متشابكة. بين النفوذ الأميركي والإيراني، وبين التحديات الاقتصادية والأمنية، كان المطلوب من الدبلوماسية العراقية أن تتحرك بحذر شديد حتى لا يتحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

في مثل هذه الظروف، لا يكفي أن يكون وزير الخارجية متحدثاً جيداً، بل يجب أن يكون قادراً على بناء التوازنات، وإدارة العلاقات بلغة المصالح لا بلغة العواطف. وهنا تظهر أهمية شخصية مثل فؤاد حسين، الذي تعامل مع الملفات الخارجية بعقلية رجل دولة أكثر من عقلية السياسي الباحث عن التصفيق.

الدبلوماسية الحقيقية ليست مجرد اجتماعات وصور أمام الكاميرات، بل قدرة على حماية مصالح البلد وسط عالمٍ متغيّر. والسياسي الناجح ليس من يرفع سقف الخطابات فقط، بل من يستطيع أن يحافظ على استقرار الدولة ويمنعها من الانزلاق نحو الأزمات. ولهذا يمكن القول إن واحدة من أهم نقاط قوة فؤاد حسين هي قدرته على الحفاظ على لغة متوازنة في مرحلة كانت المنطقة فيها على حافة الانفجار.

ما يميّز الرجل أيضاً، أنه لا ينتمي إلى مدرسة الضجيج السياسي. ففي زمن أصبحت فيه بعض الشخصيات تعتمد على الإثارة الإعلامية وصناعة الجدل من أجل البقاء في الواجهة، اختار هو طريق العمل الهادئ. وهذا النوع من السياسيين قد لا يحقق ضجيجاً شعبوياً سريعاً، لكنه غالباً يترك أثراً أعمق في مؤسسات الدولة.

الكثير من الناس يخلطون بين الهدوء وضعف الشخصية، لكن التجارب السياسية تثبت أن أكثر القادة تأثيراً هم أولئك الذين يعرفون كيف يسيطرون على انفعالاتهم، وكيف يتخذون قراراتهم بعيداً عن التوتر والارتجال. وفؤاد حسين يبدو من الشخصيات التي تؤمن بأن السياسة ليست ساحة استعراض، بل مسؤولية تتعلق بمصير بلد كامل.

ومن الأمور اللافتة أيضاً، أن الرجل استطاع أن يحافظ على شبكة علاقات دولية متوازنة في وقت أصبحت فيه المنطقة تعيش استقطاباً حاداً. وهذه ليست مسألة بسيطة، لأن أي خطأ في إدارة العلاقات الخارجية قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد والأمن والاستقرار الداخلي. لذلك فإن وجود شخصية تمتلك خبرة أكاديمية وسياسية طويلة في وزارة الخارجية يمنح العراق فرصة أفضل للتحرك وسط بيئة إقليمية معقدة.

بالطبع، لا يوجد مسؤول فوق النقد، والسياسة بطبيعتها مجال مفتوح للاختلاف في الآراء والتقييمات. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بعض المواقع تحتاج إلى شخصيات تمتلك الخبرة والثقافة والقدرة على فهم العالم، لا مجرد شخصيات تجيد الخطابات والشعارات. ووزارة الخارجية تحديداً تُعد من أخطر وأهم المؤسسات، لأنها تمثل صورة العراق أمام العالم، وتدافع عن مصالحه وسط شبكة معقدة من العلاقات الدولية.

هناك فرق كبير بين سياسي يبحث عن الشعبية السريعة، ورجل دولة يفكر بعقل طويل الأمد. الأول قد يربح التصفيق للحظة، أما الثاني فيعمل على حماية الدولة حتى لو لم يحصل على الضجيج الإعلامي نفسه. والتاريخ غالباً لا يتذكر أكثر الناس صخباً، بل يتذكر أولئك الذين نجحوا في حماية بلدانهم خلال المراحل الصعبة.

وربما لهذا تبدو تجربة فؤاد حسين مختلفة في المشهد العراقي؛ لأنها لا تقوم على صناعة الضجيج، بل على إدارة التوازن.

ففي منطقةٍ تستهلكها الانفعالات، يصبح الهدوء موهبة سياسية نادرة، وتتحول الحكمة أحياناً إلى شكلٍ من أشكال الشجاعة.

السياسة ليست دائماً معركة أصوات مرتفعة، بل قدرة على حماية الدولة حين تضيع البوصلة، وعلى إبقاء العراق واقفاً وسط العواصف دون أن يسقط في قلبها.

ولهذا، لا يبدو فؤاد حسين مجرد وزير خارجية، بل نموذجاً لمدرسة سياسية تؤمن بأن قوة الدولة تُبنى بالعقل… لا بالصخب.

كاتب وباحث سياسي


مشاهدات 77
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/05/16 - 11:53 PM
آخر تحديث 2026/05/17 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 69 الشهر 15432 الكلي 15860626
الوقت الآن
الأحد 2026/5/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير