الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مساكين رؤساء الوزراء

بواسطة azzaman

مساكين رؤساء الوزراء

كامل كريم الدليمي

 

في العراق، يبدو أن منصب رئيس الوزراء ليس موقعًا للسلطة بقدر ما هو موقعٌ للاستهلاك السياسي. كل من يصل إلى هذا الكرسي يأتي محمّلًا بالأحلام الكبيرة، وبالوعود التي تلامس وجع الناس؛ يعد بدولة عادلة، وخدمات حقيقية، وفرص عمل، وهيبة قانون، وحياة تليق بالمواطن العراقي الذي أرهقته الحروب والأزمات والفساد. لكنه ما إن يدخل دهاليز الحكم حتى يكتشف أن القرار ليس بيده وحده، وأن الطريق مليء بالألغام التي زرعتها سنوات المحاصصة ورغبات الأحزاب وتقاسم النفوذ.

رؤساء الوزراء في العراق غالبًا ما يتحولون إلى واجهة لتحالفات سياسية متصارعة، تُفرض عليهم الأسماء، وتُحدد لهم المسارات، وتُقيد حركتهم بشروط الكتل ومصالح القوى المتنفذة. وحين يفشل المشروع الحكومي أو تتعثر الخدمات، يُحمَّل رئيس الوزراء وحده المسؤولية، بينما الحقيقة أن الأزمة أعمق من شخص، وأكبر من حكومة، وأخطر من دورة انتخابية عابرة.

المشكلة الحقيقية ليست في نقص الكفاءات فقط، بل في طبيعة النظام السياسي الذي جعل الانتماء الحزبي والطائفي والمناطقي يتقدم على الانتماء الوطني. وهكذا أصبح اختيار المسؤولين يتم وفق مبدأ التوازنات والمحاصصة، لا وفق معيار الكفاءة والخبرة والنزاهة. والنتيجة أن مؤسسات الدولة تُدار بعقلية إرضاء الأحزاب لا بعقلية بناء الوطن.

مشروع طائفي

العراق اليوم لا يحتاج إلى مشروع طائفي جديد، ولا إلى صراع سياسي آخر يُقسّم المجتمع أكثر مما هو منقسم. العراق بحاجة إلى نهضة حقيقية، نهضة تنطلق من مشروع وطني متكامل يؤمن بأن العراقي أكبر من الطائفة، وأكبر من الحزب، وأكبر من المنطقة. مشروع يجمع الكردي والسني والشيعي تحت راية الوطن، لا تحت رايات المصالح الضيقة والشعارات الانتخابية المؤقتة.

نحن بحاجة إلى قائد يمتلك الشجاعة لكسر قيود المحاصصة، والقدرة على بناء دولة مؤسسات حقيقية، تُختار فيها الشخصيات على أساس الكفاءة والقدرة على الإدارة والبناء والعطاء، لا على أساس الولاءات السياسية وتقاسم الحصص. فالدول لا تنهض بالشعارات، بل بالعقول والخبرات والإرادة الوطنية الصادقة.

إن استمرار العملية السياسية بالشكل الحالي، حيث تتحكم الحسابات الانتخابية والمصالح الحزبية بكل مفاصل القرار، سيجعل الديمقراطية نفسها عقبة أمام التنمية بدل أن تكون طريقًا إليها. فالديمقراطية التي لا تُنتج خدمات، ولا تحقق العدالة، ولا تبني دولة قوية، تتحول مع الوقت إلى عبء على المواطن بدل أن تكون أملًا له.

العراق يمتلك كل مقومات النهوض: الثروات، والعقول، والتاريخ، والموقع، والشعب القادر على الصبر والعمل. لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى إرادة وطنية حقيقية تُعيد تعريف السياسة بوصفها خدمةً للوطن لا غنيمةً للأحزاب. وعندها فقط، لن يكون رئيس الوزراء “مسكينًا” تحت رحمة المحاصصة، بل قائدًا حقيقيًا لدولة تستحق الحياة .

 

 


مشاهدات 72
أضيف 2026/05/16 - 3:15 PM
آخر تحديث 2026/05/17 - 12:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 37 الشهر 15400 الكلي 15260594
الوقت الآن
الأحد 2026/5/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير