الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 قراءة في رواية ( رفيقتي الذبابة) للأديب التونسي  سمير بية


 ((الذبابة)) المحبوبة

 قراءة في رواية ( رفيقتي الذبابة) للأديب التونسي  سمير بية

حميد الحريزي

 

(رفيقتي الذبابة) القصيرة جدا للاديب التونسي الأستاذ  سمير بية  وهي الرواية الرابعة له ، حيث كان أدباء تونس الخضراء في مقدمة الكتاب العرب بعد العراق في تقبّل هذا الوليد الروائي الجديد، والسّعي لرعايته وتأصيله، وتطويره، والإقدام على كتابته، ونقده، والمساهمة في الندوات للتعريف به وإيصاله إلى القارئ العربي والعالمي حيث كان للأستاذ سمير دور فاعل في  الندوات المتعددة التي تناولت الرواية القصيرة جدا في فرنسا، وفي تونس العزيزة، كما كان للأديبة الرّائعة حبيبة المحرزي دور فاعل في التّعريف بالرّواية القصيرة جدّا سواء عبر المقابلة والحوار مع الحريزي، أو ضمن الندوات التي عقدت من قبل المنتدى العربي للنقد المعاصر في القاهرة، وهو المنتدى العربي الأول الذي تبنى الرواية القصيرة جدا، وتبنى المسابقة الكبرى الأولى في العالم العربي للرواية القصيرة جدا ، وكذلك إشراك الرواية القصيرة جدا عبر المسابقة الشاملة لمختلف أنواع وأجناس الإبداع الأدبي،  وقد شاركت عشرات النصوص في المسابقتين وخصصت جوائز للفائزين وطباعة الروايات الفائزة ... باختصار يمكننا أنْ نقول إنَّ  لأدباء تونس الخضراء دور ريادي ومهم في ترسيخ وإشاعة هذا النوع المبتكر تجنيسا للرواية القصيرة جدا .

يبدو إنَّ عنوان الرواية لافتا جدا ويثير الاستغراب  والدّهشة الكبيرة ، فكيف يمكن أن تكون الذّبابة هذا المخلوق الصغير المذموم رفيقا للإنسان ؟؟

 ولكن في عالم السلطات العربية الحاكمة في بلداننا  ووجود الحكام الفاسدين الطغاة ، ومنظوماتهم الأمنية المتخلفة الجاهلة المتوحشة لم يتركوا لهم صديق لا من البشر ولا حتى من الحشرات والحيوانات ، فحتى هذه الذبابة رفيقة القمامة والأوساخ والأزبال، ما عادت تطيق هذا النوع من أنظمة الحكم ، واصطفت مع المناضلين والمكافحين المناهضين لهذه الأنظمة متطلعا إلى عالم أفضل  حيث الحرية والعدالة ...حيث أصبح المناضل غريبا في مجتمع الجهالة والتخلف والتزلف والخوف من الحكام ، فتقبل رفقة الذبابة هذا المخلوق المذموم من قبل الجميع  ليكون نديمه ورفيق نضاله  وأقرب المخلوقات إلى نفسه، ومخلصه في أكثر لحظات خوفه ومحاصرته ومطاردته من قبل زبانية السلطات وأجهزة أمنها  وجلاديها ،فقد جعل الأستاذ سمير من الذبابة  عنصرا فعالا  في الكفاح ضد الأنظمة القمعية ، ومناضلا صلبا لنصرة المظلومين والمقموعين  من قبل السلطات،ومصدر إزعاج، وتعويق مهم لقوى الامن لتحول دون القدرة على إلقاء القبض عليهم!!!

فقد أبدع الروائي حقا في توظيف الذبابة في روايته الرائعة ،وقد أغرق الأنظمة القمعية في مستنقع الرذيلة والدناءة والقذارة ، فاستخدام الحشرات في القصة والرواية قليل جدا ماعدا بعض الروايات المعروفة عالميا  مثل المسخ لكافكا ، والإنسان الصرصار ...الخ ، فالشائع هو إشراك الحيوانات في السرد القصصي والروائي وليس الحشرات .

متن الرواية :-

تدور أحداث الرواية حول حياة  شاب تونسي  من عائلة فقيرة ، نتيجة لطموحه وصلابة عوده وإصراره تمكن من الحصول على شهادة الهندسة أهلته للعمل في أحد شركات البترول الحكومية ، يصطدم بواقع الفساد والبيرقراطية الفجة الشائعة في الشركة ، مما جعله يرفع راية المعارضة لهذا الواقع الفاسد والمتخلف منتصرا لعلميته ووطنيته ولصيانة ثروات شعبه ووطنه، ولكنه يتعرض نتيجة لذلك إلى الطرد من الشركة ، مما أحاله على جيش البطالة ، وأغضب عليه حتى عائلته  وأقرب الناس إليه، ووضع عليه أكثر من علامة شك واستفهام خصوصا من قبل قوى الأمن السلطوي حيث أخذوا يحصون عليه كل خطواته وكل كلمة من كلماته ، وتكرار استدعائه إلى مراكز التحقيق الأمني ...

كما هو حال كل  عاطل عن العمل أخذ يتردد على أحد المقاهي ، منزويا في مكان بعيدا  عن أغلب الجلاس ، وعقد علاقة صداقة حميمة مع ذبابة كانت تقصد مجلسه كلما حضر إلى المقهى ، كانت من المعجبين بسيرته ووطنيته ونزاهته ، وحينما سألها يوما عن سبب تأخرها عن الحضور ، بررت له ذلك بأنها كانت تستمع إلى حوار  دار بين أحد الانتهازيين الموالين للسلطة الأصلع المكروش  وهذه هي الصفات العامة لمثل هذه النماذج ، وبين عامل المقهى  خريج كلية الفلسفة العاطل عن العمل  أيضا مما أضطره للعمل  هنا لتلبية طلبات رواد المقهى، حيث بينت له أنَّ الأصلع المكروش كان يلوم عامل المقهى على تمسكه بأفكاره ومبادئه الداعية للعدالة والحرية ومعاداته للسلطة الحاكمة   مما جعله مستبعدا من التوظيف وعدم تقدير شهادته وعلميته ، في حين هو- المكروش- عرف من أين تؤكل الكتف فداهن وتملق وتسول  وأمتدح السلطات فحصل على مناصب رفيعة في الدولة وبراتب محترم ، داعيا الفيلسوف النادل  على ترك أفكاره وقناعاته التي صبحت متخلفة عن روح العصر فالمصلحة الشخصية هي التي تمثل روح العصر!!

 كانت الذبابة تجري نقاشات ذات بعد فلسفي اجتماعي هي وعامل المقهى مع المهندس لاشتراكهما في  هم مشترك وطريق واحد  لمقاومة الظلم  السلطوي، وكانت غالبا ما تحذر المهندس ممن يترصده من عناصر الأمن  للإيقاع به وجره إلى مراكز الحجز والتوقيف ... وحينما ثار غاضبا على هذه الكلاب  الذي تلاحقه وتراقبه انتصر له عامل المقهى ومنعهم من  أن يوجهوا له المزيد من الصقعات والركلات ، وعملت الذبابة على مشاكسة أ فراد الأمن لتمكنه من الهرب خارج المقهى ، في حين ألقي القبض على خريج الفلسفة وأودع السجن بسبب مناصرته للمهندس ...

لعبت الذبابة دور صلة الوصل وحاملة الرسائل بين المهندس وبين الفضاء الخارجي  وبينه وبين عامل المقهى ،بقي المهندس المطارد متخفيا عن عيون قوات الأمن التي استنفرت كل قواها لإلقاء القبض عليه ،حيث تمكن من الاختباء في بناية مهجورة  في مكان قصي من المدينة ، حتى جن الليل  فأحس بصوت أقدام  في البناية تقترب منه ظنها للبوليس ولكنها كانت لجامع قناني فارغة  جعل من هذه البناية مستقرا له بعد كل يوم عمل ، فطمنه الشخص ، وقد كان رجلا ملتحيا يحمل أكياسا من النفايات، فطمنه ودعاه إلى مشاركته مجلسه  وعرفه بنفسه بأنه فنان رسام أضطر لهذا العمل بسبب ما تعرض له من قوى الأمن،  ودعاه مشاركته وجبة عشاء حصل عليها من أحد براميل قمامة أحد  المطاعم في منطقة ثرية .وقد أشادت الذبابة به وبعنايته الكبيرة  في القطط التي كانت ترافقه إلى براميل النفايات ، وقد رافقته  إحدى القطط إلى  ملجئه ، وكيف اعتنى بها ، هنا إشارة عميقة الدلالة على إنسانية ورقة القوى المناهضة للظلم من الفنانين والمهندسين والفلاسفة ومحبتهم حتى للحيوانات والاحتفاء بكل جميل  بالضد قبح وخساسة السلطات الحاكمة والمتسلطة .

عرف مهندس البترول أن صاحبه هو فنان تشكيلي معروف ومشهور ، عانى من السجن وعدم التوظيف بسبب عدم انتمائه للحزب الحاكم ، فامتهن الرسم  من على أرصفة الشوارع في الهواء الطلق ، وتعرف بالصدفة على فنانة فرنسية من أصل سنغالي ، فنسجت خيوط الحب بينهما ، تزوجا وعاشا سوية ، وكان لهما مرسم خاص في المدينة ، ولكنهما تعرضا لمداهمة قوى الأمن ، فيصاب الفنان بالإغماء نتيجة الضرب ، حينما صحا وجد زوجته مقتولة فاقدة الحياة،  مما  عرضة لألم ، وحزن شديد وعاش هذه الحالة المزرية ملتقطا القناني البلاستيكية الفارغة ليعيش بمردودها، وجعل من هذا المكان مستقرا وملجأ له ليلا  .

كذلك استمع الفنان إلى قصة المهندس وكيف وصل الى هذا الحال ، وأصبح مطاردا من السلطة ، ومطرودا من العائلة ، وعرف إنَّ له ولدان أحدهما في كندا ، وله بنت تدرس الفن في روما . وانَّه في غاية الشوق إليها .

وهما كذلك تعرض المكان إلى مداهمة الشرطة ، وبمساعدة الفنان ، والذبابة تمكنوا من تضليل الشرطة وتخليص المهندس من إلقاء القبض عليه .

بات ليلته وهو متعبا خائفا قلقا على حال صديقه الفيلسوف ،  جلب له الفنان وجبة إفطار ساخنة  شهية ، ووعده انْ يعمل حارسا ليليا في مخزن البلاستك  بعيدا عن عيون السلطات ، وبالفعل عمل هناك ومرت الأيام وهو يتلقى أخبار صديقه عن طريق الذبابة،تم أطلاق سراح الفيلسوف  لصدور قرار عفو رئاسي أتت الذبابة  ب(فاكر) الفيلسوف إلى مكان عمل المهندس ، فكان لقاء حميميا رائعا بينهما بعد فراق، وخلال اللقاء تم اتفاق الهجرة خارج تونس إلى ايطاليا عن طريق السجين الذي كان شريك الفيلسوف في سجنه وإصراره على الهجرة ، فاتفق المهندس والرسام (وحيد) والفيلسوف (فاكر )والذبابة مع جمع من رفيقاتها على مرافقتهم والهجرة إلى ايطاليا ، وقد تحقق حلمهم بعد مصاعب جمة تعرضوا لها أثناء الإبحار ، في ايطاليا تعرف وحيد على فنانة ايطالية شهيرة أعجبت بفنه وبشخصيته فتزوجا وعاشا معا ، وأكمل الفيلسوف  فاكر دراسته وتزوج من أمل بنت المهندس، في حين حصل المهندس على عمل في إحدى الشركات البترولية والاستفادة من خبرته في هذا المجال ... أما الذبابة فبعد أنْ اطمأنت على حال رفيقها المهندس وصحبه غادرتهم عائدة إلى تونس .

عبر حبكة سردية محكمة  ولغة شعرية ممتعة أستطاع الروائي سمير بيه انْ يقدم لنا صورة مجسمة وبدون إسهاب عن معاناة شعوبنا العربية عموما وعلى وجه الخصوص الشباب من الكبت الفكري والمعرفي ومن البطالة والتشريد والتعرض للسجن والقهر والتعذيب  وعلى وجه الخصوص الواعية منهم  كالمهندس والفيلسوف والفنان ، نتيجة لرفضهم فساد السلطات وبيرقراطيتها وجهلها  وعدم احترامها للعلم ولا للفكر والجمال ...في حين  تمتع الانتهازيون  والوصوليون والمنافقون برفاه وبذخ كبير  وبتسنم مناصب عليا في الدولة .

تميز السرد بالاختزال والتكثيف والترميز بدلا من الإسهاب  في التعريف والتوصيف بل  قال ما (قل ودل) عبر الصورة والرمز ،  وعلى المتلقي اكتمال الصورة والتفصيل في مخيلته ليكون هنا دور هام للمؤلف الثاني ألا وهو المتلقي ، فاستوعب الأستاذ سمير مقولة ((تجويع اللفظ وإشباع المعنى ))مستجيبا لأهم شروط الرواية القصيرة جدا ، محافظا على شروطها كاملة كتعدد الشخصيات  والحوارات وتعدد الأماكن وتنقلات الزمن ، بأقل الكلمات _(5720) كلمة فقط ، واختزال مضمونا ونصا مضمرا  يزيد على عشرات الآلاف من الكلمات يستحضرها المتلقي في مخيلته.

وعلي ان اعترف بأن رواية رفيقتي ذبابة لسمير بية جعلتني أحب الذبابة حقاً بدلا من النفور منها كما هو حال أغلب الناس ، وأدرك تماما أنَّها أحب إلى نفسي من  وجوه رموز السلطات الفاشلة والفاسدة والجاهلة  والمجرمة.

 


مشاهدات 67
الكاتب حميد الحريزي
أضيف 2026/05/16 - 11:48 PM
آخر تحديث 2026/05/17 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 15431 الكلي 15860625
الوقت الآن
الأحد 2026/5/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير