أوجاع الكاتب في زمن القبح
عبدالكريم الحلو
في لحظة ما، وأنت تنحت كلماتك من لحم الروح وتخطها بمدادٍ هذا الدم الذي ينزف من عمق القلب،
تكتشف أن أكثر ما يؤلم في هذه الحياة ليس الخسارات الكبيرة ولا الخيبات المدوية…
بل ذاك الصوت المشوّه الذي يأتي من العدم، من شخص لا يعرفك، لا يرى وجهك، ولا يدرك حجم ندوبك… لكنه يقرّر أن يطعن قلبك لأن الضوء يزعجه، ولأن الجمال يكشف هشاشة قبحه.
تكتب لأنك تريد أن تمنح العالم شيئاً من الحب، من التسامح، من السلم الأهلي،
من المعنى الذي اختفى في زحام الضجيج. تكتب كي لا يموت صوتك.
كي لا يتحول قلبك إلى حجر. تكتب لأنك تعرف أن الكلمات قد تنقذ أحدهم في زاوية بعيدة من هذا الكون، قد تمنح إنساناً ما سبباً صغيراً ليواصل الحياة.
لكن هناك دائماً من يعيش في الظلام، ويختنق حين يرى في يدك شمعة.
هناك من يتغذّى على الخراب، من لا يطيق رؤية جمالٍ لا يملكه، أو سكينةٍ لم يختبرها.
هؤلاء الهلاميون… الظلاميون
الذين لا وجوه لهم، ولا أصوات حقيقية، سوى صدى الحقد.
يأتونك من ثقوب العتمة، فيخونون الذوق العام الذي يتذرعون به، ويشوّهون الذائقة التي لم يقرأوا سطرًا ليصنعوها،
ثم يتجرؤون على نصّك،
على جرحك، على قلبك الذي ينزف.
وما أقبح أن يهاجمك من لا يملك حتى ظلًّا.
وما أقسى أن تحارب طيفًا لا شكل له، ولا مبدأ، ولا قيمة… لكنه يخرج ليدينك لأنك تحب، لأنك تُضيء، لأنك تريد سلامًا في عالم لا يجيد سوى الكراهية والأحتراب .
أعداءُ الحبّ دائماً يطرقون أبواب الشعراء.
أعداءُ الجمال يظهرون حين يزهر النص.
أعداءُ التسامح يرفعون أصواتهم حين يشعرون أن قلوبهم الصغيرة مهددة بالاتساع.
لا شيء يؤلم مثل أن تُجلد بتهمة أنك جميل.
ولا شيء يرهق مثل أن تُحاصر لأنك تُعلّم الناس كيف تكون الأرواح أنقى.
لكن … لاتستسلم ابداً :
فمن يهاجمك لا يرى إلا مرآة نفسه.
وحين يراك واقفاً، صلباً، تكتب، تُحب، تُسامح… يشعر أنه أصغر مما يحتمل.
ابقَ كما أنت .
فالضوء لا يعتذر للظلام.
والجمال لا يبرّر وجوده للقبح.
والقلب حين ينزف…
ينزف لأن الحياة ما زالت تجري فيه.
وانا لازلت اخبر نفسي :
لاتتوقف عن الكتابة
ما زلت الحياة تُكتب فيك كل يوم شيئاً جميلاً
مهما حاول الهلاميون والظلاميون إطفاءك.
كاتب وناقد عراقي