الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا لم يعد العراقي المتعب يصدّق أحداً ؟

بواسطة azzaman

لماذا لم يعد العراقي المتعب يصدّق أحداً ؟

محمد علي الحيدري

 

لم يعد العراقي غاضباً كما كان، ولا ثائراً كما يُتخيّل. ما يهيمن اليوم على المزاج العام هو التعب. تعبٌ ثقيل، صامت، لا يُترجم إلى احتجاج دائم ولا إلى ولاء ثابت، بل إلى لا مبالاة حذرة، وانسحاب داخلي من كل خطاب سياسي، مهما بدا منمّقاً أو واعداً.

على مدى سنوات، استُهلكت ثقة الناس في سوق الوعود. كل دورة انتخابية حملت لغة جديدة بالشكل، قديمة بالمضمون، وكل حكومة بدأت بخطاب الإنقاذ وانتهت بتبرير الفشل. لم يعد المواطن يسأل: “من الأفضل؟” بل بات يسأل: “من الأقل ضرراً؟” وهو سؤال يعكس انكسار المعايير لا نضجها.

السياسيون، بمختلف مواقعهم، أساؤوا استخدام مفردات كبرى: الدولة، السيادة، الإصلاح، الشراكة. تكررت هذه الكلمات حتى فقدت معناها الأخلاقي، وتحولت إلى أدوات استهلاك إعلامي. ومع كل خيبة، تآكلت القدرة على التصديق، لا بسبب الجهل، بل بسبب التجربة المتراكمة.

العراقي اليوم لا يثق بالشعارات لأنه جرّبها، ولا يثق بالوجوه لأنها أعادت إنتاج ذات السلوك. يرى السلطة من بعيد، مغلقة على نفسها، تتصارع داخلها، وتتقاسم الفشل قبل الإنجاز، بينما يُطلب منه الصبر، مرة باسم الظروف، ومرة باسم التوازنات، وثالثة باسم الواقعية السياسية.

الأخطر في هذا التعب أنه لا يولّد غضباً منظّماً، بل يولّد شكّاً دائماً. والشكّ حين يستقر، لا يُسقط نظاماً، لكنه يُفرغه من المعنى. دولة بلا ثقة لا تسقط فجأة، بل تذبل ببطء، وتتحول السياسة فيها إلى ضجيج بلا أثر.

إعادة الثقة لا تبدأ بحملة إعلامية، ولا بخطاب عالي النبرة، بل بسلوك مختلف يمكن لمسه. اعتراف صريح بالأخطاء، حدود واضحة للسلطة، ومعارضة حقيقية لا تشارك في الغنيمة. دون ذلك، سيبقى العراقي متعباً

وسيبقى التصديق مؤجلاً.


مشاهدات 161
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/05/10 - 11:13 PM
آخر تحديث 2026/05/11 - 2:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 9770 الكلي 15254964
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير