حكاية استرداد الهدايا الضائعة
أحمد جاسم الزبيدي
ما أجمل حياة الطلبة… تلك الحياة التي تبدأ بأحلام كبيرة وتنتهي غالبًا بحقيبة سفر وذاكرة مثقوبة! كنا نظن أن صداقاتنا ستدوم إلى الأبد، فإذا بها تدوم… إلى أول رحلة عودة إلى الوطن، وبعدها يصبح الصديق "آخر ظهور له قبل سنوات" وكأننا كنا نتبادل الذكريات لا الأرقام.
عشنا كعائلة واحدة، خصوصًا في الأقسام الداخلية، حيث تحولت الغرفة إلى دولة مستقلة، والدولاب إلى وزارة تموين، والمطبخ إلى منظمة إغاثة عاجلة. تعلمنا الطبخ على يد صديقنا الفلسطيني ربحي قطامش – الذي اختفى لاحقًا كما تختفي الشخصيات في المسلسلات دون تفسير – وياسر طويلة السوري الذي يبدو أنه قرر أن يطيل الغياب كما أطال اسمه!
أما سهراتنا فكانت أشبه بمهرجانات دولية، نحتفل بكل شيء: أعياد وطنية، نجاح في امتحان، وحتى نجاة أحدنا من الرسوب كانت تستحق "كرنفالًا". وفي إحدى هذه المناسبات، غنّينا بحماس نشيد "بلادي بلادي بلادي"، لكننا اكتشفنا فجأة أن كلمة "بلادي" في اللغة الروسية تحمل معنى… لنقل إنه غير صالح للبث العائلي! فانفجرت القاعة ضحكًا، وتحول النشيد الوطني إلى فقرة كوميدية.
كنا فعلًا كخلية نحل: هذا يطبخ، وذاك يغسل، وثالث يواسي، ورابع يقترض… ولا يعيد. لكن، وكما في كل خلية نحل، لا بد من بعض "اللسعات".
ومن أجمل هذه اللسعات – أو لنقل أغربها – قصة زميلنا حميدي ، الذي كان كريمًا… بشرط أن يكون الكرم قابلًا للاسترجاع! ففي لحظة صفاء نادرة، أهدى حميدي الى زميلنا عبد الأمير إبريق شاي مع كاسات بمناسبة عيد ميلاده. لكن يبدو أن الهدية كانت مشروطة ببند غير مكتوب: "يحق للواهب استرجاع الهدية عند أول خلاف" .
وبالفعل، لم تمضِ أيام حتى اندلع الخلاف، وفي ليلة درامية تصلح لفيلم أكشن، ظهر حميدي حاملاً سكينًا – لا لشيء، فقط ليعطي الموضوع طابعًا جديًا – وهو يهتف:
-لا أريد صداقتك… رجّع لي إبريق الشاي والكاسات!
يا لها من لحظة تاريخية… أول محاولة رسمية لاسترجاع هدية عيد ميلاد بالقوة!
والعجيب أن الزمن لا يكتفي بإعادة نفسه، بل يعيد نفسه بنسخة "مطوّرة". فاليوم لم يعد الحديث عن إبريق شاي، بل عن "أباريق" بحجم ميزانيات، وهدايا لم تعد توضع على الطاولة، بل تُحوّل إلى حسابات. كثيرون قدموا الهدايا – ولنقل بصراحة: الرشا – طمعًا في منصب هنا أو كرسي هناك، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي جيوبهم.
وهنا يبرز السؤال الوجودي:
من سيجرؤ اليوم ويقول: "رجّع لي فلوسي "! ؟
حميدي كان شجاعًا… على الأقل كان يعرف أين إبريقه! أما اليوم، فالهدايا سافرت، والوجوه تغيّرت، والذاكرة… انتقائية جدًا.
قد نعذر حميدي، فإبريقه لم يتجاوز حدود الغرفة، لكن ماذا عن أولئك الذين تجاوزت "أباريقهم" الملايين؟ هل سيحملون سكاكينهم أيضًا ويطرقون الأبواب؟ أم سيكتفون بالحسرة ويكتشفون متأخرين أن بعض الهدايا… تذهب ولا تعود، مثل أصدقاء الدراسة… وربما أسرع!