حكاية شيخ من الواقع
عدنان سمير دهيرب
ما برحت الصور والفعاليات التي وقعت قبل العدوان الذي شنته أمريكا وبريطانيا وتداعياته تترى في الذاكرة القريبة والحاضرة ، بدعم من دول عديدة في المحيط الجغرافي للعراق ، بوصفها أدوات للتآمر ورصد الأموال لتدمير وتخريب الدول الأخرى التي تتعارض مع سياستها ، أو لتنفيذ إستراتيجية الدول العظمى إزاء شعوب المنطقة . إذ قامت السلطة في العراق حينذاك بحشد كل قواتها المسلحة والأجهزة الأمنية والحزبية الساندة ، فضلاً عن تهيئة الشعب من خلال البروبوغندا سواء بالإعلام أو الخطابات والشعارات ونحو ذلك ، من الأساليب التي تستخدمها كل الدول حين تتعرض للتهديد والحرب من الدول المعتدية لحماية البلد من العدوان .
في تلك الظروف المشحونة بالقلق والخوف والأزمات ، ذكر لنا حينها أحد المسؤولين إبان النظام السابق في لقاء صحفي : أن أحد الشيوخ جاء اليه برفقة مجموعة مسلحة من عشيرته ، للتعبير عن الولاء والتضحية والفداء عن الوطن والحزب و ( القائد اللا ضرورة ) . وبعد مقدمات حماسية وكلمات مفعمة بالحب للوطن ، فيما يطلق المهوال هوسات تثير الحماسة والمشاعر الوطنية والتأثير مع حركات وتقافز لاستكمال المشهد . وهي فعالية تتكرر مع كل مسؤول وسلطة تأتي لحكم البلد .
انتهى اللقاء بشكر المسؤول للشيخ ، الذي ظلت حركاته وكلماته وموقفه يرددها المسؤول بالإضافة الى فعاليات أخرى ، في كل لقاء إعلامي بوصفها أنموذجاً للوحدة الوطنية والتضحية والفداء من أجل ( الوطن والقائد ) .
وحين أنتهت الحرب وسقط النظام ، ودخلت القوات الغازية الى المدن والقصبات العراقية ، علمت أن ذات الشيخ قام بوليمة كبيرة للجنود الغازية ، وأطلق الكثير من الحضور كلمات الترحيب مع حركات التقافز والرغبة في الخلاص من النظام الدكتاتوري ؟! هذهِ الواقعة تتكرر بين حين وآخر بأشكال متعددة . والمشكلة أن هؤلاء المسؤولين بأختلاف إتجاهاتهم السياسية والأيديولوجية ، يخدعون أنفسهم بتصديق تلك الفعاليات لاشباع رغباتهم بالهيمنة وإمتلاك السلطة ، لأنه يفتقد القدرة والتأثير من ناحية ، ولان الجميع انتاج ذات البيئة والتفكير الدائري لثقافة المكان ومجتمع الطاعة والعبودية من ناحية أخرى ، لرسم مجتمع يتشابه جُله بذات السلوك ، ما افضى الى خضوع الجمهور وسلب إرادته بفعل الاحتلالات المتكررة ، والاستبداد المتوارث لسلطات سياسية وقوى تقليدية راسخة ، افرزت الولاءات المزيفة والنفاق والمزايدات الكاذبة التي ترافقهم ، وهؤلاء في حالة تنافس مع زبائنية زعماء السلطة او الأحزاب ، يرون التكيف مع المتغيرات ضرورة لتحقيق غاياتهم الانانية وحماية مصالهم . طالما نفتقد الى العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية ، لاشاعة روح المواطنة بين شعب مازال منقسم الولاءات ، بفعل اختلاف ايديولوجية الأحزاب القابضة على السلطة ، أدت الى تراجع الانتماء الى الهوية الوطنية الجامعة .