الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين الاقتصاد المتأرجح وفرص السياحة الضائعة: بحيرة ديالى نموذجاً

بواسطة azzaman

ماذا لو نفد نفط العراق؟

العراق بين الاقتصاد المتأرجح وفرص السياحة الضائعة: بحيرة ديالى نموذجاً

غسان العزاوي

 

في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها أسواق النفط العالمية، تتزايد المخاوف من انعكاسات تلك التقلبات على الاقتصاد العراقي، وتحديداً الموازنة العامة التي تدفع بعجلة الاقتصاد في البلاد، حيث تعتمد تلك الموازنة بشكل شبه كلي على عائدات الذهب الأسود الذي يباع في الأسواق العالمية. إذ تمثل صادرات النفط الخام عبر شركة تسويق النفط (سومو)، ما يقارب 85 إلى 90% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة، ما يضع البلاد في دائرة الاقتصادات الريعية شديدة التأثر بعوامل خارجية لا يمكن التحكم بها. وقد تأثرت عمليات التصدير مؤخراً بسبب الحرب الاقليمية التي تشهدها ايران ودول الخليج، مع استمرار العمليات العسكرية الجوية التي تنفذها اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية على المنطقة، وفشل المفاوضات بشكل متكرر.

 

ان هذا الاعتماد المفرط لا يقتصر تأثيره على الجانب المالي فحسب، بل ينعكس على الاستقرار الاقتصادي بمجمله، حيث أن الاقتصاد العراقي معرض للتذبذب مع كل ارتفاع أو انخفاض في أسعار النفط عالمياً. ومع كل أزمة في الأسواق الدولية، تتجدد التحديات أمام صناع القرار، في ظل غياب بدائل حقيقية قادرة على امتصاص الصدمات أو تحقيق التوازن الاقتصادي، الأمر الذي يبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في بنية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل، لضمان الادارة المالية الناجحة لخطوط الميزانيات الفرعية كالتشغيلية والاستثمارية.

 

في المقابل، لا تزال الإيرادات غير النفطية محدودة التأثير، رغم تنوع مصادرها، والتي تشمل الضرائب بمختلف أنواعها، والرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة، إلى جانب الرسوم الحكومية المرتبطة بالخدمات العامة، وبعض العوائد الأخرى من مؤسسات الدولة. لكن هذه الموارد تعاني من ضعف في التحصيل، وغياب أنظمة فعالة لتعظيمها، فضلاً عن محدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والسياحة في رفد الاقتصاد الوطني. في حين أفاد مسؤولون بشكل صريح عن وجود شركات وطنية تابعة لوزارة الصناعة والمعادن معطلة تماماً، وهي مؤسسات استهلاكية بلا انتاج أو صناعة، ألا أن تكلفة رواتب موظفيها تشكل نسبة كبيرة من الموازنة التشغيلية للبلاد، وتقدر اعدادهم بعشرات الالاف. 

 

ان هذا الخلل البنيوي في هيكل الإيرادات يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة وجوهرية حول الفرص المهملة في البلاد، وفي مقدمتها قطاع السياحة، الذي لا يزال بعيداً عن دائرة الاستثمار الحقيقي. فالعراق، الذي يمتلك إرثًاً حضارياً عريقاً وموارد طبيعية متنوعة، لم يتمكن حتى الآن من تحويل هذه المقومات إلى موارد تنعش اقتصاده الوطني للتخفيف من المخاطر المالية.  

 

وتبرز هنا أهمية المواقع الطبيعية، ومنها بحيرة حمرين في محافظة ديالى، والتي تقع وسط المحافظة. حيث تمثل هذه البحيرة نموذجاً واضحاً لإمكانيات سياحية واقتصادية قيّمة، لا زالت غير مستغلة حتى الآن. رغم الاقبال الشديد على تلك الرقعة الحيوية من سكان مدن المحافظة وخارجها، خاصة السياح المتجهين الى مدن الشمال المارين من ذلك الطريق الحيوي.

 

 

ان هذه الموارد قابلة لتعظيم ايرادات الدولة بشكل انسيابي ومناسب، بدلاً من تعظيم الايرادات من زيادة رسوم الخدمات العامة التي تقدمها المؤسسات الرسمية للمواطن العراقي، أو ايقاف صرف علاوات الموظفين السنوية، أو التوجه للاقتراض.

 

كما أن عمليات الاستثمار الترفيهي لا تقتصر على تعزيز السياحة فحسب، بل أنها تمتد لتشمل تنشيط قطاعات مرافقة، كالخدمات والنقل والاستثمار الفندقي. وهذا يعني خلق وتوفير فرص عمل للأيدي العاملة محلياً ومعالجة البطالة المتفاقمة منذ سنوات، فضلاً عن دعم الثروة السمكية وامكانية نقل كائنات بحرية أخرى من دول أخرى لغرض توأمه التجارب الانتاجية، وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، وهو ما تهدف اليه الأمم المتحدة والمنظمات الاقتصادية الدولية ضمن خططها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

 

وعليه، فإن إعادة النظر في هيكل الموازنة العامة لا يمكن أن تكتمل دون تبني رؤية اقتصادية شاملة تقوم على تنويع مصادر الدخل، واستثمار الموارد المحلية بكفاءة. وبدل ابقاء الاقتصاد رهينة لتقلبات أسواق النفط، يمكن للعراق أن يخطو خطوات حقيقية نحو الاستقرار المالي من خلال تفعيل قطاعات مهملة وفي مقدمتها السياحة، التي قد تتحول من عبء مهمل الى مورد اقتصادي مستدام، إذا ما توفرت الإرادة والتخطيط والتنفيذ بشكل سليم يتوافق مع الطرق المبتكرة الحديثة حول العالم.

 

وبالتركيز على القطاع السياحي، فقد استطاعت دول مثل تركيا والأردن ولبنان تحويل مواردها الطبيعية والتاريخية الى موارد اقتصادية حقيقية، ومنها البحيرات على وجه التحديد. ألا أن العراق لا يزال يواجه تحديات كبيرة في استثمار قطاعه السياحي، رغم ما يمتلكه من مقومات تاريخية وطبيعية نادرة وجذابة.

 

فعلى سبيل المثال، نجحت تركيا في تطوير سواحلها على البحرين الأسود والمتوسط الى وجهات عالمية تجذب ملايين السياح سنوياً، وذلك من خلال تأسيس بنى تحتية بمواصفات عالمية، وتطوير استثمارات ضخمة في الفنادق والمنتجعات والخدمات الترفيهية. كما استطاع الأردن توظيف موارده المحدودة بذكاء، ليحول مواقع مثل البتراء والبحر الميت إلى علامات سياحية عالمية، تدر عائدات مالية كبيرة وتوفر فرص عمل واسعة. أما في لبنان الذي يواجه أزمات سياسية واقتصادية كبيرة، فقد شكلت السياحة ركيزة أساسية في دعم اقتصاد البلاد، حيث تم استثمار الشريط الساحلي والمناطق الجبلية في إنشاء مرافق سياحية متنوعة تجمع بين الطبيعة والثقافة والترفيه.

وتعكس هذه التجارب وجود رؤية استراتيجية واضحة تقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الترويج الفعال للوجهات السياحية عالمياً.

 

في المقابل، يبرز العراق كحالة استثنائية من حيث حجم الإمكانات المهملة غير المستغلة. فعلى الرغم من احتضانه لأهم الحضارات الإنسانية تاريخياً، وامتلاكه لمواقع أثرية لا تقل أهمية عن أشهر المعالم العالمية، فضلاً عن موارده المائية والبيئية، إلا أن السياحة الأثرية والبحرية لا تزال تعاني من الإهمال وضعف الاستثمار. اذ لا توجد بنية تحتية سياحية متكاملة يمكن اعتمادها في استقبال السياح، ولا توجد خطط تسويقية قادرة على جذب الزوار، كما أن غياب الاستقرار في بعض الفترات ساهم في تراجع هذا القطاع الحيوي.

 

إن المقارنة بين هذه الدول والعراق لا تهدف إلى إبراز الفجوة فحسب، بل تسلط الضوء على الفرصة الكامنة في البلاد، للتحول من الموارد الريعية المتمثلة بالنفط، الى موارد مستدامة كالزراعة والصناعة والسياحة. خاصة مع تنبؤات لمحللين اقتصاديين بنفاد النفط بعد حوالي ثمانين عاماً من الآن. حيث يحتل العراق المركز الخامس باحتياطيات تبلغ 145 مليار برميل، بعد كل من فنزويلا والسعودية وايران وكندا باحتياطات نفط تتجاوز المخزون الطبيعي للعراق. ورغم ان تلك الدول تتجاوز العراق من حيث الاحتياطات النفطية، ألا أنها لا تعتمد على النفط في ايرادات الدولة التخطيط المالي والاستراتيجي للبلاد، بل انها تعد من الدول الزراعية والصناعية المنتجة والمصدرة للمنتجات، في حين يكتفي العراق بالموارد التي تحققها مبيعات النفط فقط!!

كما نجحت تلك الدول في تحويل مواردها المختلفة الى قوة اقتصادية، يمكن للعراق (إذا ما توفرت الإرادة والرؤية) أن يسلك المسار ذاته، ويعيد إحياء قطاعات زراعية وصناعية وسياحية قادر على تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

 

وبما أننا نتطرق لموضوع الاستثمار السياحي، لابد لنا أن نسلط الضوء على البحيرة الصناعية في ديالى ضمن ناحية السعدية التابعة لقضاء خانقين. اذ تشكل البحيرة اليوم نموذجاً واضحاً على الفرص الضائعة في قطاعي السياحة والاقتصاد في البلاد. فالبحيرة التي تعد من أكبر المسطحات المائية الحيوية في البلاد، لا تزال تعاني من الإهمال وغياب الاستثمار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على النفط.

 

فعلى الرغم من ما تمتلكه البحيرة من مقومات طبيعية واستراتيجية قادرة على إحداث تحول حقيقي في واقع المحافظة والبلاد، إلا أن هذا التحسن لم يترجم إلى مشاريع تنموية حقيقية.

فلا وجود لبنية تحتية سياحية متكاملة، ولا مشاريع استثمارية تستثمر جمال الطبيعة الممتدة على ضفافها. وبينما تمتلك البحيرة مقومات تجعلها وجهة سياحية متميزة، من مناظر طبيعية خلابة ومناخ معتدل نسبيًا وموقع جغرافي قريب من العاصمة، لكنها لا تزال خارج خارطة السياحة الداخلية والخارجية.

 

وتزداد أهمية بحيرة السعدية أو ما تعرف محلياً بـ(بحيرة حمرين) اليوم مع التطور الكبير في البنية التحتية الأساسية، خاصة بعد إنشاء جسر حيوي يربط بغداد ومحافظات الجنوب بمحافظات إقليم كردستان شمالاً. هذا الربط الجغرافي يمنح البحيرة موقعاً استراتيجياً، يمكن أن يحولها الى محطة استراحة سياحية وتجارية على حد سواء، وذلك عبر إنشاء مدن سياحية متكاملة تضم منتجعات وفنادق ومطاعم ومرافق ترفيهية قادرة على جذب آلاف الزوار سنوياً.

 

كما تمثل البحيرة فرصة واعدة لتنشيط قطاعات متعددة، في مقدمتها قطاع الثروة السمكية التي تعد من الموارد الطبيعية المساهمة في انعاش اقتصاد البلاد. فالمياه الواسعة للبحيرة توفر بيئة مثالية لتربية الأسماك بمختلف أنواعها، ما يسهم في دعم الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل للسكان المحليين.

 

كما أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يقلل من الاستيراد ويعزز الإنتاج المحلي ليحافظ على الأموال داخل البلاد، في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية متزايدة، وصلت الى مقترحات حكومية بصرف نصف الراتب الشهري للمتقاعدين والموظفين، بما فيهم مستفيدي شبكة الرعاية الاجتماعية.

 

مقترح تعظيم ايرادات الدولة بالاستثمارات السياحية يصطدم بجملة من التحديات، أبرزها غياب الرؤية الاستراتيجية للاستثمار، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، إضافة إلى محدودية الشراكات مع القطاع الخاص. كما أن غياب الخدمات الأساسية، مثل الطرق المعبدة داخل المواقع السياحية وشبكات الكهرباء والمرافق الصحية، يشكل عائقاً رئيسياً أمام أي مستثمر محتمل. ناهيك عن صفقات الفساد والمحسوبية التي نخرت هياكل المؤسسات الادارية والخدمية، والتي تحولت لظاهرة متفشية يصعب السيطرة عليها بسبب اتساعها بشكل مقلق.

 

إن إحياء بحيرة ديالى ليس مستحيلاً ولا يتطلب معجزات، بل هو يحتاج الى إرادة حقيقية وخطة مدروسة تستند إلى شراكات فعالة بين الحكومة والقطاع الخاص، كما يمكن اشراك الفرق الشبابية والمنظمات المحلية والدولية. ويمكن أن تبدأ هذه الخطوات بإطلاق مشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة وتطوير البنية التحتية وتوفير بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، كما أن الترويج الإعلامي للبحيرة كوجهة سياحية يمكن أن يسهم في تغيير الصورة النمطية عنها.

 

وفي ظل اعتماد العراق على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، تبدو بحيرة حمرين في ديالى فرصة حقيقية لكسر هذا النمط، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومساهمة واستدامة. وبين الإهمال الحالي والإمكانات الكامنة، تبقى البحيرة قصة مفتوحة بانتظار قرار يحولها من مورد مهمل وضائع الى قيمة مساهمة سياحياً واقتصادياً.

 


مشاهدات 75
الكاتب غسان العزاوي
أضيف 2026/04/06 - 3:22 PM
آخر تحديث 2026/04/07 - 4:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 187 الشهر 5219 الكلي 15223292
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير