الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق خارج الغرفة.. فخ الغياب السيادي في زمن هرمز والزيدي

بواسطة azzaman

العراق خارج الغرفة.. فخ الغياب السيادي في زمن هرمز والزيدي

كاظم نزار الركابي

 

في فندق سيرينا بإسلام آباد، جلس وفدان — أمريكي وإيراني — إحدى وعشرين ساعة متواصلة يتفاوضان على مضيق تمر عبره معظم صادرات العراق النفطية، التي تشكل النفط فيه قرابة تسعة أعشار إيراداته العامة. ولم يكن العراق في الغرفة.الجملة الأخيرة وحدها ينبغي ان توضع امام كل وزير وسياسي في بغداد. ليعلم ان دولته التي يُلامس مصيرها المالي طاولة بعيدة في اسلام آباد، ويتحرك اقتصادها مع كل خبر عن هرمز، وتعيش جزءاً من الحرب على أرضها، تصلها النتائج عبر وكالات الأنباء لا عبر مبعوثيها. هذا ليس ضعفاً دبلوماسياً عابراً. هذا ما يمكن تسميته فخ الغياب السيادي: أن تكون الدولة الأكثر تضرراً من الحرب، والأكثر مصلحةً في السلام، والأكثر ارتباطاً بالمضيق — ثم لا تكون طرفاً في صياغة المعادلة التي تتحكم بمستقبلها.

المفاوضة على بيت الغائب

إحدى وعشرون ساعة من المحادثات تناولت مضيق هرمز، والملف النووي، ورفع العقوبات، وإنهاء الحرب. ست نقاط شائكة غادر بعدها الوفدان دون اتفاق حاسم. وفي الأيام التالية، تسرب الحديث عن خطة من صفحة واحدة تتضمن إعلاناً لإنهاء الحرب مع تفاوض لاحق على التفاصيل.

في كل هذه الساعات والنقاط والصفحات، لم يظهر العراق طرفاً. ظهر موضوعاً.

والفرق بين الطرف والموضوع هو الفرق بين السيادة والتبعية. الطرف يفاوض. الموضوع يُفاوَض عليه. والعراق، الذي تعيش على أرضه ارتدادات هذه الحرب ويتأثر اقتصاده بكل توتر عند هرمز، كان أقرب إلى خانة الموضوع منه إلى موقع الطرف.

السياسة الدولية لا تكافئ الغائبين. من لا يجلس إلى طاولة القواعد، يستيقظ ليجد نفسه ملزماً بقواعد كتبها غيره.

دبلوماسية الغائب

الأخطر أن غياب العراق عن إسلام آباد لم يكن حياداً واعياً. لم تقل بغداد: نحن نختار ألا نحضر. الغياب جاء لأن أحداً لم يتعامل مع حضور العراق بوصفه ضرورة. هنا يكمن الجرح الحقيقي.

الدولة التي لا تُدعى إلى طاولة تقرير مصيرها ليست دولة محايدة. هي دولة مستبعدة. والاستبعاد ليس تفصيلاً بروتوكولياً — إنه إعلان قاسٍ عن منزلة الدولة في النظام الإقليمي.

ما يمكن تسميته دبلوماسية الغائب هو أن تتحول الدولة من فاعل إلى مفعول به: تتلقى القرارات بدلاً من أن تصنعها، وتتكيف مع النتائج بدلاً من أن تشارك في بنائها، وتدفع ثمن الحرب دون أن تحيا السلام.

والدول التي تقبض ثمن السلام هي التي تكون حاضرة ساعة صياغة شروطه.

كيف تُستبعد دولة من طاولة مصيرها؟

الأكثر إيلاماً أن الاستبعاد لم يُفرض من الخارج وحده. صُنع في الداخل بالتراكم. حين تنشغل الدولة بعقد ثقتها البرلمانية في الوقت الذي تُرسم فيه خرائط المنطقة، وحين يكون رئيس وزرائها الجديد منهمكاً في استكمال الحقائب بينما تُناقش مصائر المضائق — يتحول الغياب من حادث دبلوماسي إلى خلل بنيوي.

العراق لم يغب لأنه لا يملك ما يقوله. غاب لأنه لم يبنِ، خلال سنوات طويلة، البنية الدبلوماسية التي تجعل حضوره ضرورة لا مجاملة. الدولة التي تُستدعى إلى الطاولات الكبرى هي الدولة التي يحتاجها الجالسون إليها.والعراق، بنفطه وموقعه وطريق تنميته، يملك كل عناصر هذه الضرورة. لكنه لم يحوّلها بعد إلى جاذبية سيادية.الجاذبية السيادية لا تُبنى بالخطب. تُبنى باقتصاد لا يُبتز بإغلاق مضيق، ودبلوماسية باردة تعرف لغة المصالح، وحكومة تفهم أن أول واجباتها ليس توزيع الوزارات — إنما صناعة الموقع.

الزيدي أمام امتحان الحضور

تسلّم علي الزيدي رئاسة الحكومة في لحظة إقليمية شديدة السيولة. المنطقة كلها تحت القلم. التسويات لم تنضج. الخرائط لم تجف. الملفات الكبرى ما زالت قابلة لإعادة الرسم. وهذه الهشاشة، على خطورتها، تمنح العراق فرصة لا تتكرر كثيراً.

منهاجه الوزاري رفع شعار الشراكات المتوازنة. عنوان صحيح في المعنى، لكنه يحتاج ترجمة سريعة في الفعل. الشراكة المتوازنة لا تعني الوقوف بين القوى بخطاب حذر — تعني امتلاك ورقة يحتاجها الجميع. ونفط العراق وموقعه وطريق تنميته تمثل هذه الورقة، إذا أحسن توظيفها.

السؤال الجوهري أمام الزيدي ليس: كيف نُرضي واشنطن وطهران في آنٍ واحد؟ السؤال الأعمق هو: كيف نجعل العراق طرفاً لا يمكن لأية تسوية إقليمية أن تتجاهله؟

في إسلام آباد، تفاوض الآخرون على ممر يمسّ عصب العراق. وهذا الغياب ليس قدراً — إنه سياسة قابلة للتغيير.

الدول لا تُستدعى إلى طاولات الكبار لأنها جميلة الخطاب. إنما تُستدعى لأنها ضرورة. وتحويل العراق من غائب يُتحدَّث عنه إلى حاضر لا تستقيم أي تسوية بدونه — هذا هو الامتحان الوجودي الحقيقي لكل حكومة عراقية، ويواجهه الزيدي اليوم بشكل أحد وأعمق مما واجهه أي سلف.على الرغم من كل الواقع المرير الذي تناولناه، الا ان هذا الواقع نفسه، يشكل أمام الزيدي فرصة أضاعها سلفه، وهذه الفرصة تتمثل في ان عليه ان يبدأ بإعادة تعريف الحضور العراقي. لا حضور المجاملة، ولا حضور البيان، ولا حضور الصورة الرسمية — إنما حضور الدولة التي تملك ما يحتاجه الآخرون، وتعرف كيف تفاوض عليه.التاريخ لا يسأل كثيراً عمّن كان غائباً. يسأل عمّن بُنيت المعادلات على غيابه. والعراق اليوم أمام لحظة فاصلة: إما أن يبقى خارج الغرفة، وإما أن يصنع من موقعه مفتاحاً لا تُفتح الغرفة إلا به.


مشاهدات 45
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/05/25 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/05/26 - 3:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 184 الشهر 25233 الكلي 15870427
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير