بين هشاشة السياسة وقوة القضاء
محمد كاظم الفاضلي
منذ انتخابات عام 2025، برز رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان بوصفه أحد أهم “أحجار الزاوية” في النظام السياسي العراقي، لكن هذا الوصف لا يحمل معنى واحداً بقدر ما يفتح باباً لتفسيرين مختلفين:هل أصبح حجر زاوية لأنه يمثل ضامناً لاستقرار الدولة في مرحلة شديدة الاضطراب؟ أم لأن حضوره اصبح يتجاوز الصورة التقليدية للقضاء بسبب طبيعة الازمات السياسية المتكررة ؟الإجابة هنا تختلف بحسب زاوية النظر السياسية والفكرية لطبيعة الدولة بعد 2003، وإلى موقع القضاء داخل معادلة السلطة. في العقدين الماضيين او كما يسمى في تونس العشريتين الماضيتين، لم يعد القضاء العراقي مجرد مؤسسة تفصل في النزاعات القانونية بمعناها التقليدي، بل أصبح طرفاً حاسماً في حل أزمات النظام السياسي نفسه، المحكمة الاتحادية دخلت في قلب ملفات تشكيل الحكومات، وتفسير النصوص الدستورية، وحسم النزاعات بين القوى السياسية، وصولاً إلى القضايا المرتبطة بشرعية القرارات الكبرى للدولة. وفي هذا السياق، ظهر السيد زيدان باعتباره شخصية قادرة على إدارة التوازنات بين الفرقاء السياسيين دون الانخراط العلني في الاصطفافات السياسية الحادة.
لقد تحوّل القضاء في عهده من مؤسسة “خلفية” تعمل بعيداً عن الضوء إلى لاعب مؤثر في المشهد السياسي، خصوصاً بعد أزمات الانتخابات، والكتلة الأكبر، والنزاعات الدستورية التي كشفت هشاشة البنية السياسية .
كما أن تمتعه بعلاقات مؤسساتية مع مختلف الأطراف جعله نقطة التقاء بين السياسي والقانوني، بل وحتى الأمني أحياناً.
مؤسسة قضائية
لكن هذا الحضور الواسع للقضاء لا يمكن قراءته فقط باعتباره تعبيراً عن قوة المؤسسة القضائية، بل يعكس أيضاً أزمة أعمق داخل النظام السياسي نفسه ، ففي العلوم السياسية، عندما تتحول المؤسسة القضائية إلى لاعب مركزي في ايجاد حلول للأزمات السياسية، فإن ذلك غالباً ما يكون مؤشراً على هشاشة التوافقات الحزبية، وضعف الثقافة الدستورية، وعجز القوى السياسية عن حل خلافاتها داخل المؤسسات المنتخبة بصورة طبيعية ، أي أن النظام يبدأ بالاعتماد على “الوسيط المؤسسي” أكثر من اعتماده على الحسم السياسي التقليدي.
ومن هنا يمكن فهم أهمية المقال الأخير الذي نشره زيدان حول “إعلان حالة الحرب دستورياً”. فالرجل لم يكن يقدّم مجرد شرح قانوني لمادة دستورية خاصة بإعلان الحرب ، بل كان يوجه رسالة سياسية ـ دستورية واضحة مفادها أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ان تحذيره من انفراد بعض الجهات بقرارات ذات طبيعة حربية يرتبط مباشرة بفكرة الدولة التي يحاول القضاء تثبيتها: دولة تحتكر استخدام القوة، وتخضع فيها القرارات السيادية إلى المسار الدستوري لا إلى تعدد مراكز القرار.
عزلة دولية
كما أن إشارته إلى مخاطر العقوبات والعزلة الدولية تعكس إدراكاً لطبيعة الترابط بين الداخل العراقي والبيئة الإقليمية والدولية، حيث إن أي فعل عسكري غير منضبط قد تتحمل الدولة العراقية كلها تبعاته.وبهذا المعنى، فإن دور رئيس مجلس القضاء لم يعد محصوراً في إدارة الشأن القضائي فحسب، بل أصبح جزءاً من عملية حماية التوازن العام للدولة .لذلك يمكن القول إن الضرورة دفعت القضاء إلى قلب السياسة، وجعلت من المؤسسة القضائية أحد الأعمدة التي يستند إليها النظام في منع الانهيار وإدارة التوازنات وحماية فكرة الدولة.