الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مشروع قانون مواجهة التطرف العنيف قبل وقوع الجريمة: بين ضرورة الوقاية ومخاوف التوسع في التجريم

بواسطة azzaman

مشروع قانون مواجهة التطرف العنيف قبل وقوع الجريمة: بين ضرورة الوقاية ومخاوف التوسع في التجريم

علي التميمي

 

- في خطوة وصفها مراقبون بأنها نقلة في طريقة تعاطي الدولة مع ملف التطرف، تعمل اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب على إعداد مسودة مشروع قانون جديد يهدف إلى وضع معالجة استباقية قبل أن تتحول الأفكار المتطرفة إلى أفعال على الأرض.

المشروع الذي لم ينشر نصه الكامل حتى الآن، جاء وفق تصريحات رسمية لسد فراغ تشريعي واضح. فالقوانين النافذة في العراق، وعلى رأسها قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب، لا تتحرك إلا بعد وقوع الفعل أو الشروع فيه. أما ما يسبق ذلك من خطاب وتحريض وتنظيم للفكر، فكان يبقى في منطقة رمادية لا تطالها العقوبة إلا بصعوبة.

*من رد الفعل إلى التشخيص المبكر*

الفكرة المحورية في المسودة تقوم على الانتقال من منطق "المعالجة بعد الجريمة" إلى منطق "الرصد والتدخل المبكر". وبحسب ما تسرب من مضمون المشروع، فإنه يسعى إلى تجريم الأفعال التي تمهد لوقوع العنف، مثل تنظيم الخطاب المتطرف، وفرضه على الآخرين بالقوة المعنوية، والتكفير، والتحريض، والتهديد.

اللجنة الوطنية بررت ذلك بالقول إن الإنجازات الأمنية التي تحققت ضد تنظيم داعش لا تكفي وحدها، وإن النصر النهائي يتطلب تجفيف منابع الفكر المتطرف قبل أن يتحول إلى خلايا وعنف. ولذلك ركزت المسودة على إجراءات وقائية وتأهيلية، تسبق اللجوء إلى العقوبات التقليدية، وتعمل عبر فرق رصد في المحافظات، وبرامج إعادة تأهيل، ومشاريع توعوية في المدارس والسجون ومخيمات النزوح.

*التجربة الدولية: أين وقف الآخرون؟*

فكرة التدخل قبل وقوع الجريمة ليست جديدة، وقد سبق العراق إليها عدة دول غربية بأساليب مختلفة:

في *بريطانيا*، تعمل الحكومة منذ 2011 على استراتيجية "Prevent" التي تفرض واجباً قانونياً على الجامعات والمدارس والمستشفيات للإبلاغ عن الأشخاص المعرضين للتطرف وتحويلهم لبرنامج تأهيلي يسمى Channel. ورغم أن البرنامج لا يفرض عقوبات، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً حول تدخل الدولة في الحياة الشخصية والفكرية.

الأمر تطور أكثر مع قانون "تدابير منع وتحقيق الإرهاب" TPIMs، الذي يسمح بفرض قيود على حركة الشخص واتصالاته وإقامته دون محاكمة جنائية، إذا رأت وزارة الداخلية أنه يشكل خطراً إرهابياً. هذه الآلية تعتبر أقرب ما يكون لتجريم مرحلة ما قبل الجريمة، وقد وصفتها منظمات حقوقية بـ"جرائم الفكر".

*أستراليا* سارت في الاتجاه نفسه عبر "أوامر الرقابة" Control Orders، التي تسمح بوضع قيود على أشخاص لم يرتكبوا جريمة، تشمل حظر السفر واستخدام الإنترنت والتواصل مع أشخاص معين، إذا رأت المحكمة أن هناك خطراً معقولاً بمشاركتهم في عمل إرهابي.

 

أما *الولايات المتحدة* فاختارت مساراً مختلفاً عبر قانون "الدعم المادي للإرهاب"، الذي يعاقب أي شخص يقدم دعماً مادياً أو خدمات لمنظمة مصنفة إرهابية، حتى لو لم يشارك في العمل الإرهابي نفسه. المحكمة العليا أقرت دستورية القانون عام 2010، لكن تطبيقه أثار جدلاً لأنه طال نشاطات مثل تقديم استشارات قانونية.

 

*فرنسا* بعد هجمات 2015 منحت وزير الداخلية صلاحيات واسعة لفرض الإقامة الجبرية وإغلاق أماكن العبادة وحظر التجمعات عبر أوامر إدارية، دون الحاجة لحكم قضائي، تحت مبرر الوقاية من التطرف.

 

*إشكالية التعريفات الفضفاضة*

 

رغم هذه التجارب، يبقى العامل الحاسم هو دقة الصياغة. فالتجارب الدولية أثبتت أن القوانين الفضفاضة تتحول سريعاً من أداة وقائية إلى أداة تقييدية.

 

في العراق، يرى قانونيون أن المشروع قد يصطدم بثلاث عقبات دستورية وقانونية:

أولاً، المادة 38 من الدستور تكفل حرية التعبير، وأي تجريم لمرحلة "الأفكار" و"الخطاب المنظم" قبل وقوع تحريض مباشر قد يُعد مساساً بهذا الحق.

ثانياً، قانون العقوبات العراقي لا يعاقب إلا على الشروع والتحريض والاتفاق الجنائي المرتبط بفعل مادي، وتوسيع التجريم ليشمل "تنظيم الفكر" قد يتعارض مع مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".

ثالثاً، وجود قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 قد يخلق ازدواجية تشريعية، ويفتح الباب لتصنيف جديد غامض بين "التطرف" و"الإرهاب".

*أين يتجه المشروع؟*

حتى اللحظة لا يزال المشروع في مرحلة الإعداد داخل اللجنة الوطنية، ولم يعرض على مجلس الوزراء أو مجلس النواب. وهذا يعني أن هناك فرصة لإعادة صياغته بما يعالج المخاوف المثارة.

الحل الذي يقترحه قانونيون هو أن يربط النص التجريم بخطر وشيك ومحدد، وأن يكون مقترناً بضمانات قضائية واضحة تمنع التوسع في التفسير. فالتشريع الجيد في هذا الباب لا يقاس بطوله أو بشدة عقوباته، بل بدقته في التمييز بين الخطاب المحمي دستورياً والخطاب الذي يشكل تهديداً حقياً.

الأسابيع القادمة ستكشف ما إذا كانت المسودة ستخرج بصيغة تحقق التوازن المطلوب بين الأمن والحريات، أم أنها ستعيد إنتاج الجدل القديم حول حدود الدولة وحدود الفرد في العراق ما بعد داعش.

 

---

 

 


مشاهدات 51
الكاتب علي التميمي
أضيف 2026/05/23 - 4:14 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 1:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 109 الشهر 22910 الكلي 15868104
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير