الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ضياء خضير… ناقدٌ يزرعُ الضوء في خرائب اللغة


مبدعون في الذاكرة .. اضاءه مهنية لا دراسة نقدية

ضياء خضير… ناقدٌ يزرعُ الضوء في خرائب اللغة

ياس خضير البياتي

##################

في المشهد الثقافي العراقي، تمرّ أسماء كثيرة مثل عابرين في زحام الذاكرة، غير أن أسماءً قليلة فقط تبقى، لأنها لم تكتب الأدب بوصفه مهنة، بل بوصفه قدرًا.

ومن بين تلك الأسماء يبرز الدكتور ضياء خضير؛ ناقدًا ومفكرًا وقاصًا وأستاذًا جامعيًا حمل مشروعه الثقافي مثل ناسكٍ يطارد المعنى في زمن الضجيج، وظلّ طوال عقود يفتّش عن جوهر الأدب العربي، لا عن شهرته العابرة.

ولد ضياء خضير عام 1945 في مدينة الشطرة ، وفي عراقٍ كان يتهيأ لتحولات كبرى، وكانت الثقافة فيه جزءًا من تكوين المدينة والإنسان.

ومنذ سنواته الأولى، بدا مأخوذًا بسحر اللغة وأسئلة المعرفة، كأن الكلمات كانت تناديه مبكرًا ليكون واحدًا من حرّاسها النادرين.

دخل جامعة بغداد، والتحق بكلية التربية، ليحصل عام 1967 على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، في زمن كانت الجامعة العراقية فيه مصنعًا حقيقيًا للعقول الكبيرة.

لكنه لم يتوقف عند حدود الدراسة التقليدية؛ إذ مضى أبعد من ذلك، مدفوعًا بشغف النقد والفكر والأسئلة الكبرى التي لا يهدأ أمامها عقلٌ حقيقي.

نال شهادة الماجستير في الأدب العباسي من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1976، ثم شدّ الرحال إلى فرنسا، وهناك، في جامعة بروفانس، انفتح على مناهج النقد الحديثة والفكر الأوروبي العميق، ليحصل عام 1987 على شهادة الدكتوراه في النقد الأدبي بدرجة الشرف الأولى، في تجربة أكاديمية أضافت إلى مشروعه الثقافي بعدًا معرفيًا وإنسانيًا واسعًا.

غير أن ضياء خضير لم يكن ناقدًا أكاديميًا باردًا يكتب من خلف الجدران الجامعية، بل كان قارئًا للحياة نفسها. لذلك جاءت كتاباته مزيجًا من الفلسفة والتأمل والجمال والقلق الإنساني.

لقد كان يرى أن النقد ليس عملية تشريح ميكانيكية للنصوص، بل محاولة لفهم الإنسان وهو يكتب خوفه وأحلامه وهزائمه.

عمل أستاذًا للنقد والأدب المقارن في جامعات عراقية وعربية عديدة، ومن بينها جامعة صحار في سلطنة عُمان، حيث ترك أثرًا معرفيًا واضحًا لدى أجيال من الطلبة والباحثين. وكان حضوره الأكاديمي يشبه طريقته في الكتابة؛ هادئًا وعميقًا، بعيدًا عن الاستعراض، قريبًا من جوهر الفكرة.

وعلى امتداد رحلته الطويلة، أنجز أكثر من عشرين كتابًا نقديًا وفكريًا، شكّلت علامة فارقة في النقد العربي الحديث. ففي كتابه "بحثًا عن الطريق" بدا ناقدًا يفتش عن المعنى وسط التحولات الفكرية والجمالية، بينما كشف في "التشكل التاريخي الكاذب"عن وعيه الحاد بعلاقة التاريخ بالخطاب الثقافي.

أما كتابه "ثنائيات مقارنة" فقد فتح بابًا واسعًا على الأدب المقارن، مقدمًا قراءات عميقة في تداخل الثقافات والنصوص.

وفي دراساته عن الشعر العراقي والعُماني، لم يكن يقرأ النصوص بوصفها تراكيب لغوية فقط، بل بوصفها مرايا للروح العربية الحديثة، لذلك جاءت كتبه مثل "شعر الواقع وشعر الكلمات" و«وردة الشعر وخنجر الأجداد» أقرب إلى حفريات جمالية في بنية الشعر العربي وتحولاته.

أما في السرد، فقد قدّم قراءات مختلفة في القصة والرواية، واشتغل على تحليل البنية الثقافية والاجتماعية للنصوص، كما فعل في كتابه «القلعة الثانية» وكتابه اللافت «الأبيض والأسود في السرد العماني ونقده».

ولأن خضير لم يكن ناقدًا يعيش داخل برجٍ أكاديمي مغلق، فقد كتب القصة والرواية أيضًا، وأصدر مجموعتين قصصيتين، تُرجمت إحداهما إلى الفرنسية، كما تُرجمت بعض قصصه إلى الإنجليزية.

وكانت تجربته الروائية مختلفة إلى حد أن إحدى رواياته تحولت إلى فيلم سينمائي طويل بعنوان «التجربة» للمخرج المصري فؤاد التهامي، وقد فاز الفيلم بجائزة أفضل نص روائي في مهرجان كارلو فيفاري السينمائي، في إشارة إلى قدرة نصه السردي على العبور من الورق إلى الصورة.

وفي عالمه الإبداعي، لم يكن يفصل بين النقد والأدب؛ فالقاص داخله كان يمنح الناقد حساسية إنسانية، بينما كان الناقد يمنح القاص عمقًا فكريًا ورؤية تتجاوز السرد التقليدي.

لقد كتب عن شعراء كبار مثل سعدي يوسف وحميد سعيد، واشتغل على مشاريع فكرية ونقدية معاصرة، كما فعل في كتابه عن سعيد الغانمي، وقراءته لمشروع عبد الجبار الرفاعي، ودراسته عن الفنان علاء بشير. وكان في كل ذلك يكتب بعين الباحث، وروح الأديب، وحدس المثقف الذي يرى الثقافة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون نشاطًا معرفيًا.

ولعل أكثر ما يميز ضياء خضير أنه ظل بعيدًا عن الصخب الثقافي والإعلامي. لم يكن من أولئك الذين يطاردون الضوء، بل من الذين يصنعونه بهدوء.

ولذلك اكتسب احترام الأوساط الثقافية العربية بوصفه ناقدًا رصينًا وصاحب مشروع معرفي متماسك.

وقد تناولت أعماله دراسات أكاديمية عديدة، حتى خُصصت عنه أطروحتان للدكتوراه في الجامعات العراقية، وهو أمر نادر لا يحدث إلا مع الأسماء التي تتحول إلى ظاهرة فكرية ونقدية مؤثرة.

وفي شخصيته الإنسانية، يبدو ضياء خضير أقرب إلى صورة المثقف القديم؛ هادئ الطباع، عميق الإصغاء، قليل الضجيج، لكنه ممتلئ بالمعرفة.

لا يتحدث كثيرًا عن نفسه، لأن كتبه كانت تتولى هذه المهمة نيابة عنه. وحين تجلس معه، تشعر أنك أمام رجل عاش عمره بين الكتب والأسئلة، لا بين المناصب والألقاب.

عرفته منذ ثمانينيات القرن الماضي زميلاً عزيزًا في التدريس، حين كان في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة بغداد، وكنتُ في قسم الإعلام في الكلية نفسها.

كانت تلك السنوات مساحةً يومية للقاءات الفكر والحوار، حيث جمعتنا أروقة الكلية وفضاءاتها المفتوحة على النقاش، إلى جانب أساتذة وأصدقاء مثل الدكتور عبد الله إبراهيم والدكتور نجم عبد الله، في حوارات امتدت بين السياسة والأدب والعلم، وكانت أشبه بمدرسة غير رسمية لصقل الوعي وتبادل الرؤى.

كان خضير آنذاك حضورًا هادئًا لكنه لافت، يجمع بين الرصانة الفكرية وعمق القراءة، فلا يرفع صوته في النقاش، لكنه يترك أثرًا واضحًا في الفكرة التي يطرحها. شخصية تتكئ على الاتزان لا الانفعال، وعلى الحجة لا الصخب، وكأنه ينتمي إلى ذلك الجيل من المثقفين الذين يصنعون مواقفهم بهدوءٍ ثابت لا يتبدل مع تقلبات اللحظة.

يمتاز ضياء بشخصية هادئة رصينة، وصاحب موقف وطني لا يتزعزع، ينطلق من فهم عميق لمسؤولية المثقف تجاه مجتمعه، لا بوصفه شاهدًا محايدًا، بل بوصفه جزءًا من هموم الناس وأسئلتهم. وقد ظل، عبر سنوات طويلة من المعرفة والزمالة، نموذجًا للمثقف العضوي الذي يربط بين المعرفة والالتزام، وبين الفكرة والواقع، دون أن يفقد توازنه أو يتنازل عن استقلاله الفكري.

لقد ظل طوال رحلته الطويلة مؤمنًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مقاومة ضد الخراب، وأن النقد الحقيقي ليس ترفيعًا للنصوص ولا اغتيالًا لها، بل محاولة لفهم الإنسان عبر اللغة.

هكذا يبدو ضياء خضير في ذاكرة الثقافة العراقية والعربية: ناقدًا يكتب بعقل الفيلسوف، وقاصًا يرى العالم بعين الشاعر، ومثقفًا ظل يحمل مشروعه المعرفي بإيمان نادر، في زمنٍ أصبحت فيه الثقافة نفسها تبحث عمّن ينقذها من الضجيج والنسيان.

 


مشاهدات 99
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/05/23 - 4:11 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 2:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 156 الشهر 22957 الكلي 15868151
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير