الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رسالة لم ترسل من آخر الليل

بواسطة azzaman

رسالة لم ترسل من آخر الليل

عصام البرّام

 

في ليلةٍ

تأخرتُ فيها عن نفسي

عدتُ إلى الغرفةِ

التي تعرفني أكثر مما ينبغي

كان البابُ

يئنُّ كصديقٍ قديم

تعبَ من الانتظار

والمصباحُ

يرتعشُ

كأن الضوءَ يخافُ

أن يرى ما تبقّى مني

جلستُ

وأمامِي دفترٌ

لم يعد أبيض

بل صار يشبهُ وجهي

مليئًا بمحاولاتٍ

لم تكتمل

خارج النافذة

كانت بغداد

تجمعُ ليلها

كأمٍّ

تخافُ على أطفالها من الضياع

وأنا

كنتُ أفتشُ في جيبي

عن صوتٍ

يشبهُ صوتكَ

لكنني

وجدتُ ورقةً

قديمةً

كتبتُ فيها:

 

سنلتقي غدًا

ضحكتُ

لأن الغد

مرَّ منذُ أعوام

دون أن ينتبه لنا

 

في تلك الليلة

قررتُ أن أكتبَ لكَ

رسالةً

لا أعرفُ كيف تبدأ

هل أقول:

كيف حالُك في البرد؟

أم أسأل:

هل ما زلتَ تخافُ من الوحدة

كما كنتَ تدّعي أنك لا تفعل؟

أم أقول ببساطة:

اشتقتُ إليكَ

كما يشتاقُ شارعٌ

لخطىً لم تعد تمرّ به

 

أتذكركَ

حين كنا نمشي

دون وجهة

نضحكُ من أشياءَ صغيرة

كأننا

نسرقُ الفرحَ

من فمِ العالم

كنتَ تقولُ :

لا تثقْ بالأيام

فهي تُبدّل وجوهها

وأنا

لم أصدقكَ

إلا بعد أن آختفيت

في الرسالة

كتبتُ:

صديقي،

هنا

كل شيءٍ كما تركتهُ

إلا أنا

المقهى ما زال يفتحُ أبوابه

والنادلُ يسألُ عنكَ

بطريقتهِ الصامتة

الطاولةُ التي جلسنا عليها

لم تعد لنا

لكنها

ما زالت تعرف أسماءَنا

ثم توقفتُ

لأن الكلمات

بدت فجأة

أصغرَ من الغياب

 

رفعتُ رأسي

كان الليلُ

قد كبرَ أكثر

والمدينةُ

تبدو كأنها

تفكرُ في شيءٍ بعيد

سألتُ نفسي:

هل تصلك الرسائل

إذا لم نُرسلها؟

هل يمكنُ للحنين

أن يعبرَ المحيط

دون عنوان؟

 

أكملتُ:

هنا

تعلمتُ أن الغياب

ليس سفرًا فقط

بل عادة

وأننا

كلما تأخرنا في اللقاء

نصيرُ أقلَّ قدرةً

على الشرح

 

تعبتُ

وضعتُ القلم

ونظرتُ إلى الورقة

كانت تشبهُ اعترافًا

تأخر كثيرًا

فمزّقتها

ببطء

ليس لأنني لا أريدُ

أن تصلك

بل لأنني أدركتُ

أنك

تعرف كل هذا

دون أن أقول

 

اقترب الفجرُ

خفَّ ضوءُ المصباح

كأن الليلَ

سلّم مفاتيحهُ

وقفتُ عند النافذة

رأيتُ المدينة

تستيقظَ

كما لو أنها

لم تتعب أبدًا

أما أنا

فكنتُ

أشبهُ رسالةً

لم تُرسل

ومع ذلك

وصلت

إليكَ

أو إليَّ

لا فرق

فبعضُ الرسائل

لا تحتاجُ بريدًا

كي تبقى

يكفي

أن تُكتب

في الوقت الخطأ

لتعيش

إلى الأبد


مشاهدات 46
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/05/23 - 1:53 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 2:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 21699 الكلي 15866893
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير