الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ثمانية تريليونات في جمهورية النهب

بواسطة azzaman

ثمانية تريليونات في جمهورية النهب

محمد حمزة الجبوري

 

في البلدان التي تحترم شعوبها تكفي فضيحة مالية واحدة لإسقاط حكومة وفتح أبواب القضاء وإشعال فتيل الغضب الشعبي؛ أما في جمهوريات الخراب العربية فإن الأرقام تتحول إلى مجرد عناوين عابرة تستهلك في نشرات الأخبار ثم ترمى في أرشيف النسيان كأن المليارات المسروقة فيما سمي بسرقة القرن لا تعني وطناً ولا تطعم جائعاً ولا تبني مدرسة ولا تنقذ مدينة من العتمة؛ التريليونات الثمانية التي (باگها) المتسترون بلباس الوطن رقم لا يشبه الفساد التقليدي بل يشبه الكوارث الوطنية؛ رقم يكفي لبناء دول لا لترميم شوارع؛ يكفي لإنهاء البطالة لا لتضخيم حسابات الفاسدين؛ لكنه في جمهورية النهب يتحول إلى مجرد “ملف قيد التحقيق” فيما يخرج اللصوص ببدلات رسمية ومواكب مدججة بالسلاح والرجال  وخطابات عن الوطنية والإصلاح؛ المأساة ليست في ضياع الأموال فقط بل في اعتياد الناس على سماع الكارثة دون أن يهتز شيء كأن الخراب أصبح جزءاً من المشهد اليومي وكأن الفساد لم يعد جريمة بل نظام حكم متكامل له أحزابه وحماته وإعلامه، وحتى جمهوره الذي يصفق له عند كل انتخابات؛ في جمهورية النهب المنظم  لا يسرق المال وحده بل يسرق الأمل أيضاً؛ تسرق أعمار الشباب وهم ينتظرون وظيفة وتسرق أحلام المرضى على أبواب المستشفيات وتسرق كرامة المدن الغارقة بالفقر رغم أنها تجلس فوق بحار النفط والثروات؛ المرعب أن الفساد لم يعد يختبئ؛ لم يعد يخشى الوثائق ولا التسريبات ولا لجان النزاهة لقد وصل إلى مرحلة الوقاحة السياسية؛ مرحلة يخرج فيها المتهم ليتحدث عن الشرف ويعتلي الفاشل منصة الإصلاح ويتصدر اللصوص مشهد الوطنية؛ ثمانية تريليونات ليست رقماً مالياً فقط بل شهادة إدانة لطبقة سياسية كاملة عجزت عن بناء الدولة فأتقنت بناء شبكات النهب؛ طبقة سياسية  حولت الوطن إلى غنيمة والمناصب إلى مزاد والمؤسسات إلى إقطاعيات حزبية تتقاسم المال العام كما تتقاسم الولائم ؛ وحين يصبح الفساد أقوى من القانون وأغنى من الدولة وأكثر نفوذاً من الشعب فإن السؤال لا يعود من سرق؟

بل كيف بقي الوطن واقفاً حتى الآن؟

الأشد وقعا أن الفساد لم يعد سلوكاً طارئاً  بل أصبح ثقافة سلطة؛ صار الفاسد يشعر بالأمان أكثر من الشريف واللص أكثر نفوذاً من القاضي،والسمسار أكثر حضوراً من الأكاديمي والكفوء؛ حتى اللغة تغيرت؛ فالسرقة أصبحت “استحقاقاً سياسياً” والنهب سمي (توافقاً) وتقاسم الدولة تحول إلى “شراكة وطنية”؛ لدينا مطلبا وطنيا واحدا هو  الكشف عن اسماء الذين نهبوا اموالنا العامة والذين ظلوا لغزا محيرا أذهل العقول... وأكتمل التيه.


مشاهدات 60
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/05/23 - 2:43 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 3:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 201 الشهر 21759 الكلي 15866953
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير