الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتكلم الظل: قراءة في رواية السيدة الأولى لياسين غالب


حين يتكلم الظل: قراءة في رواية السيدة الأولى لياسين غالب

صادق الطائي

 

في روايته "السيدة الأولى – أسرار من بغداد"، لا يقدّم ياسين غالب فقط رواية عن زوجة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بل يبني نصًا أدبيًا مشحونًا بالأسئلة حول المرأة، التاريخ، الذاكرة، والسلطة. لكنّ هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر، بل تأتي مغلّفة بسردٍ ذكي يتكئ على جنرات سردية متداخلة، على رأسها ما يُعرف بـ"الرواية الإطار"، وهي تقنية باتت شائعة في السرد المعاصر، حيث تُبنى حكاية داخل حكاية أخرى، وتُقدَّم الرواية بوصفها مخطوطة "مكتشفة"، لتتضاعف المسافة بين الكاتب والمتكلم، وتُتاح حرية السرد من دون الوقوع في فخ التوثيق أو الادّعاء.

الرواية تبدأ بصوت مترج عراقي يعمل مع القوات الأمريكية في العراق بعد الاحتلال، وفي أثناء تواجده في أحد القصور الرئاسية يعثر بالصدفة المحض على أوراق يكتشف المتلقي أنها مذكرات لساجدة خير الله طلفاح. هذا المجند، واسمه التمويهي هاري، لا يمثل مجرد "وسيط" بين الرواية والقارئ، بل يمثّل "العين الغريبة" التي تنظر في تاريخ لم تعشه من الداخل، وتنقل لنا المأساة من مسافة مضطربة. عبر هذه اللعبة الذكية، يضعنا غالب أمام نصّ داخل نصّ: خارج الرواية نجد الكاتب، وداخلها نجد المترجم العامل مع الامريكان والذي يحاول أن يقايض هذه الاوراق مع القوات الامريكية مقابل منحه فيزا وإقامة أمريكية تنقله من مكانه الخطر الى مكان آمن. ثم نجد السيدة ساجدة، التي تسرد "ما يمكن أن يكون" حياتها، لا ما كان بالضرورة.

هذا التكنيك يُذكّرنا بأعمال مهمة مثل "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، أو "المخطوطة التي وُجدت في سرقسطة" وهي رواية إطار شهيرة للكاتب البولندي يان بوتوكي كتبت نهاية القرن الثامن عشر، تدور أحداثها حول ملازم في جيش نابليون يجد مخطوطة مغامرات خيالية في سرقسطة، وتتميز بتعدد القصص المتداخلة. الغاية هنا ليست خلق خداع سردي، بل فتح المجال أمام التخييل الأدبي كي يخوض في التاريخ المحرّم أو المسكوت عنه، بدون أن يتورّط في مصداقية مباشرة. يعلن الكاتب بوضوح، في مقدمة العمل، أن ما بين أيدينا هو عمل تخييلي محض، لا يستند إلى وثائق، بل إلى محاولات فنية لاستنطاق ما لم يُكتب.

لكنّ المترجم "هاري" ليس مجرد حامل للمخطوطة، بل شخصية تتقاطع مع مصير العراق نفسه. فالمترجم الذي ينتمي لبيئة فقيرة من "مدينة الصدر"، والذي يحلم بجمع المال والفرار، يعكس طبقة من العراقيين ممن علّقوا بين الاحتلال والحلم، بين النجاة والانتماء، وهو بذلك لا يقل تعقيدًا عن ساجدة نفسها، وإن اختلف موقعه في لعبة السلطة. حواراته الساخرة مع الضباط الأمريكيين تشكّل متنًا موازيًا، فيه الكثير من النقد والمرارة، ويمثّل خطًا واقعيًا يعادل خطّ ساجدة المتخيّل.

أما صوت ساجدة، الذي يمثل جوهر الرواية، فهو صوت نادر، متفرّد، بعيد عن الكليشيهات. ليست المرأة هنا مجرد زوجة "الطاغية"، بل إنسانة تجرّ خلفها تراثًا من الألم والكبت والانكسارات الصغيرة. في إحدى الصفحات تقول: "يا ليت ضربني بوقتها، ما كنت لأحبه ولا صار اللي صار، آه، ايش ورطني به؟ مرّ مثل الدواء وواجب علي تقبله لأني تعودت عليه"، في عبارة تختزل حجم التوتر بين العاطفة والضرورة، بين الحبّ والعيش داخل قفص السلطة.

الرواية تتقن بناء هذا الصوت الذي يجمع بين الاعتراف، السخرية، التحليل السياسي، وأحيانًا الهلوسة النفسية. هي تكتب، كما تقول، لا دفاعًا عن أحد، بل بوحًا مؤجلًا. وتفتح صفحات من حياتها كما لو أنها تفتح جراحًا لم تُشفَ: علاقاتها المتوترة مع أخوة صدام غير الاشقاء، خيانات صدام المتكررة، صراعاتها الداخلية كامرأة في قصر، لكنها تفتقد إلى الحميمية، ولا تمتلك سوى فتات من القرار.

في لحظة سردية مؤثرة، تقول: "روحي نخلة بتكريت، يقرر لي صدام حتى موقع طمري بيولوجيًا!"، وكأنّ الموت نفسه لم يكن قرارها، بل امتدادًا لحياة محكومة بالقرارات الرجولية. والجسد في الرواية ليس فقط مركزًا للصراع الشخصي، بل أيضًا مساحة سياسية. إذ تُستعاد تفاصيل العلاقة الحميمة، البدايات في مرحلة المراهقة، اللحظات الأولى للزواج، لكن من منظور نقدي حاد، يكشف كيف يُستخدم الجسد كأداة للترويض والترويج السياسي.

وفي موازاة الجسد، يحضر المكان بقوة: بغداد، القصور، المدارس، شارع الرشيد، حيّ الكرخ، العوجة... كلها تتداخل في شبكة من الصور، تُرسم أحيانًا بعين رومانسية، وأحيانًا بعين متوترة. بغداد في الرواية ليست خلفية، بل "شخصية" كاملة، تقول وتخاف وتصمت، تمامًا كساجدة. تقول الراوية: "بغداد كانت ملكية حينها، كان القاسي والناعم كالماس... صدام اختطف دور الرئيس لاحقًا"، في رثاء واضح لمدينة تحوّلت من الفخامة إلى العنف.

أحد أذكى عناصر الرواية هو ذلك التداخل بين "المرأة" و"المدينة"؛ بين من صمتت طويلًا، ومن أُجبرت على التواطؤ. كلاهما شاهدة على قرارات لم تكن طرفًا فيها. وحين تتكلم ساجدة، فهي لا تتكلم فقط عن حياتها، بل عن عراق بكامله.

على صعيد اللغة، تتأرجح الرواية ببراعة بين العامية والفصحى ، بالرغم من هفوات العامية التي كان يجب أن تضبط بشكل أفضل، لكن هذه التنقلات ساهمت في بناء الإيقاع الخطابي والنبض اليومي، ونجحت في تجسيد الأصوات المختلفة بتمييز لافت. حواراتها غير مصقولة بشكل مزيف، بل نابضة، متوترة، واقعية. لا تختبئ الشخصيات خلف بلاغة زائفة، بل تظهر على طبيعتها، وهذه من نقاط قوة العمل.

ومن أبرز ما يُحسب للعمل أيضًا، خروجه من ثنائية "الإدانة والتبرئة". فلا يحاول أن يجمّل صورة ساجدة، لكنه لا يسقطها في قاع التنميط. إنها إنسانة تعترف بما تحب وتكره، بما فعلته وما خذلت فيه. وفي النهاية، تُترك للقارئ حرية الحكم، أو ربما يُطلب منه التخلّي عن الحكم.

الرواية أيضًا ذكية في استثمار لحظة "ما بعد الصدمة". فهي لا تُروى في أوج النظام، ولا حتى عند انهياره مباشرة، بل في زمن لاحق، حين بدأ التراب يهدأ فوق الأطلال. وهذا ما يمنحها أفقًا تأمليًا، يسمح بإعادة النظر في كل ما حدث، لا من منطق الخصومة أو الولاء، بل من منطق الاستفهام والندم.

أما الجانب الأجمل في الرواية، فيكمن في هذه الفكرة: أن "السيدة الأولى" ليست عن امرأة واحدة، بل عن كل النساء اللواتي لم تُكتب قصتهن. إنها محاولة لإعادة تشكيل صوت أنثوي داخل المشهد السياسي، صوت لا ينكر العاطفة، ولا يخجل من الضعف، لكنه لا يتنازل عن سرد ما حدث من زاويته الخاصة.

ولعلّ خاتمة الرواية هي الأكثر بلاغة، حين تقول ساجدة: "عاش العراق، عاشت فلسطين حرة عربية، عاشت أمتكم العربية من المحيط إلى الخليج، وليخسأ الخاسئون... انتهت الحكاية. ساجدة."
هنا تختلط نبرة الخطاب الرسمي الساخر، بنبرة نسوية خافتة، في مفارقة لاذعة تذكّرنا أن كل ما قيل في الرواية لم يُسمع فعلًا... سوى الآن.

في المحصلة، "السيدة الأولى – أسرار من بغداد" ليست رواية فقط عن سيدة صامتة، بل عن ظلّ أنثوي يتكلم أخيرًا، عبر خيال كاتب قرر أن يمنحه الحياة. رواية تتجرأ على الدخول في منطقة معتمة، وتعيد بناء الذاكرة عبر التخييل، لا بدافع الفضول، بل بدافع الإنصاف.

وهذا ما يجعلنا نقرأ العمل لا فقط كمجرد سرد مميز، بل كموقف أدبي وأخلاقي من التاريخ... ومن الصمت الطويل الذي غلّف النساء في هذا التاريخ.

 


مشاهدات 73
الكاتب صادق الطائي
أضيف 2026/05/23 - 3:13 AM
آخر تحديث 2026/05/23 - 4:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 251 الشهر 21809 الكلي 15867003
الوقت الآن
السبت 2026/5/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير