بين جماهيرية الأغنية والمفردات السهلة
حسن الحيدري
منذ بداياته اواخر الثمانينينات استطاع كاظم الساهر ان يبني مشروعا غنائيا مختلفا عن السائد مشروعا يقوم على هيبة الكلمة ورفعة اللحن والرهان على ذائقة المستمع لا على استهلاكه السريع لذلك لم يكن غريبا ان ترتبط صورة الساهر في الوجدان العربي بالاغنية التي تحمل عمقا شعريا خصوصا بعد تجربته الشهيرة مع اشعار الراحل نزار قباني والتي نقلت الاغنية العربية الى مساحة اكثر فخامة وبلاغة.
لكن الجدل الذي رافق اغنيته الاخيرة (متى) كشف عن فجوة واضحة بين ما ينتظره الجمهور من الساهر وما قدم فعليا من كلمات رأى كثيرون انها عادية او اقرب الى التعبيرات المستهلكة التي اعتادت الاغنية التجارية تكرارها بعض المستمعين لم يخف خيبة امله معتبرا ان النص لا يليق بتاريخ فنان ارتبط اسمه طويلا بالاغنية النخبوية الراقية السوال هل المشكلة في الكلمات وحدها ام في تغير مفهوم الاغنية العربية نفسها؟
ففي السنوات الاخيرة اصبحت صناعة الموسيقى قائمة بدرجة كبيرة على الانتشار السريع لا البقاء الطويل الاغنية اليوم تستهلك عبر تطبيقات قصيرة ومقاطع مقتطعة وسرعة ايقاع تفرض على الفنان احيانا التنازل عن التعقيد اللغوي لصالح الجملة الخفيفة القابلة للتداول لهذا نلاحظ هبوطا عاما في مستوى المفردة الشعرية حتى عند اسماء كبيرة كانت تعرف بصرامة اختياراتها.
غير ان حالة الساهر تختلف عن غيره فالجمهور لا يتعامل معه كمطرب عابر بل كرمز فني صنع مدرسة خاصة لذلك فان اي تراجع في مستوى النص يقرا على انه تنازل عن الهوية الفنية التي ميزته لعقود المستمع الذي اعتاد على زيديني عشقا ومدرسة الحب واني خيرتك يصعب عليه تقبل نص يبدو اقرب الى الاغاني اليومية السهلة.
مع ذلك لا يمكن اختزال تجربة فنان بحجم الساهر في عمل واحد فالفنانون مهما بلغت خبرتهم يمرون بمحطات متفاوتة وقد تكون بعض الاعمال محاولة للاقتراب من الذائقة السائدة او اختبار لون مختلف وربما اراد الساهر من خلال هذه الاغنية العودة الى البساطة الشعبية او استحضار روح البدايات لكن المشكلة ان الجمهور يقارن دائمًا بما حققه الفنان سابقا لا بما يقدمه السوق اليوم..