الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حوار بين الزوجين بأبعاد فكرية وفلسفية مكثّفة

بواسطة azzaman

رجل ينّتفض من فراش الموت في (وقت إضافي)

حوار بين الزوجين بأبعاد فكرية وفلسفية مكثّفة

كافي لازم

عندما ينقطع المسرح عن الوجود تتلاشى الثقافة وتنتهي في البلاد، وها هو ابو الفنون في سبات لأسباب غير مجهولة ،الدول في ارجاء المعمورة (المتحضرة وغير المتحضرة) عندما تدرج اسم الثقافة والادب والفن يكون تحت ديباجة خاصة عند سن  القوانين المعنية بها وتضع هامشا ماديا لرعايتها في ميزانية الدولة وهذه الاموال تكون سيادية لايمكن التجاوز عليها مهما حصل علما هذا ليس له علاقة بمنهج الحكومة ان كانت راسمالية او اشتراكية او رجعية او شمولية، وهذا يعني اهتمام خاص بقيم الجمال التي يمثلها المسرح كظاهرة حضارية  ،انه واجب سيادي وجزء اساسي في بناء الدولة الحديثة، وليس فخرا ان تصبح عاصمتنا الحبيبة بغداد عبارة عن كتل من الكونكريت المسلح  الشاهق بلا مسحة من الجمال في حين انها  تسخر  بايقوناتها التاريخية الجميلة والمعروفة للعالم اجمع.

ان ما يحزننا انه خلال اكثر من عشرين  عاما  لم تبني دولتنا قاعة مسرح واحدة  بل الغي عقد اوبرا بغداد ظلما وعدوانا فضلا عن التلكؤ الحاصل في مسرح الرافدين ومسرح الرشيد لم يرجع لعصره البهي لحد الان. كانت الفرقة القومية (الوطنية الان) تضع برنامجا موسميا في غاية الروعة تراعي فيه كافة الامور التي من شأنها ان تطور العملية الفنية اذ ان منهاجها يتضمن عروضا متنوعة منها المسرح العالمي والمحلي ومسرح الطفل وحتى الاوبريت ان توفر ذلك، كذلك المسرح التجريبي وترصد لها الميزانيات المهمة بالتنسيق مع وزارة الثقافة وباقي الجهات فضلا عن سن الوزارة قانون الفرق الاهلية والمصادقة عليه من اعلى الجهات الرسمية الذي تم تفعيله وانتعشت العروض المتنوعة. كما الفرقة الاهلية الابرز (فرقة المسرح الفني الحديث) كانت هي الاخرى تضع برنامجا مهما لانتاج اعمالها  اذ لايمر ليل في بغداد دون ان يكون هناك عرض اوعرضين في مسارحها الجميلة، ان العوائق المادية كما هو حاصل الان يجب ان يكون ليس سببا جوهريا اذ ان تبليط شارع ما (رغم اهميته) يكفي لانتاج عشرات الاعمال بكلف زهيدة وكم تم هدرمال هنا وهناك بلا فائدة. وياتي هذا ضمن تشغيل هذا القطاع المهم فهناك المئات من الفنانين عاطلين عن العمل وينتظرون الفرص المواتية لصقل مواهبهم.

شح مادي

كذلك نقابة الفنانين التي هي الاخرى غير قادرة نتيجة الشح المادي الحاصل،ولكنها الان كسرت هذا الصمت الطويل بتقديم عمل مضيء بعد يأس كبير، قدم الدكتور مثال غازي نصا رصينا لا يخرج عن منهجه برؤيته الفلسفية عن موقف الانسان بالوجود والعدم، عبر مسرحية (وقت اضافي) التي عرضت على مسرح الرشيد انها تساؤلات كبرى مازالت في المتداول مهما مر الزمن  وهنا ياتي دور المسرح في معالجة قضايا الانسانية ويطرح سؤال اكبر: هل المسرح امل وبهجة وتفائل ام يأس ومآسي وتخاذل؟ وهنا تاتي القراءة المهمه الى الدراماتوج المتالق ذو الثقافة المسرحية العالية سعد عزيز الخزعلي، وبعدها تاتي قراءة المخرج القدير اسامة السلطان  (الذي لايحب الاضواء كثيرا) وصاغ لنا هذا النص اخراجا وهو يتفهم تماما روح النص ومايهدف له المؤلف اذ انهما عملا سوية في اعمال سابقة فهما في توافق تام .انه يدرك ان تساؤلات النص تثير الرعب لدى المتلقي لذلك واجهنا اول الامر بستائر بيضاء عبارة عن كواليس عالية وشاشة جهاز تسجيل ضربات القلب لرجل مريض (مازن محمد مصطفى) ينبئه الطبيب (احسان هاني)  الذي اجاد باداء هذه الشخصية بانه سيموت حتما بعد اسبوع  بطريقة خشنة لايراعي الجانب الانساني والروحي بل لا يراعي مشاعر حتى المرأة زوجة المريض (هناء محمد) حين يخبرها بطريقة مستفزة وكأنه رجل امن وليس طبيبا  هذا الممثل المتمكن دائما يستغل تعابير وجهه وما يخفي من غموض سرية وكانه ضابط في (السي اي اي).

ربما يعني المخرج ان اغلب الاطباء نزعوا ثوب الرحمة من اجسادهم في خضم الفوضى واللهاث نحو الربح المادي السائد الان، ادى هذا الخبر الى  اسئلة صادمة لهذا الرجل الذي انتفض من فراشه للبحث عن سر الوجود وسر الموت الذي لامناص منه، واخذ يتذاكر مع زوجته ايامه الخوالي والماضي العريق وكيف مرت لحظات موغلة بالحزن والخوف التي هي اعلى من لحظات الفرح المحدوده في حياته حيث الحروب والحصارات واستباحة حياة الانسان .حقيقة ان هذه الشخصية تمثل جيلا كاملا من العراقيين وان ما رأيناه يمثل واقعا مرا  حاصلا. وان الزوجة تدرك تماما ما يعانيه زوجها فهي عاصرت كل صغيرة وكبيرة في حياتهما  الا انها تمتلك رؤيا مخالفة لزوجها اذ انها تؤكد دائما بان هناك امل  وهذا الامل لابد ان يكون مشرقا. ان خوض هذه الحوارات الطويلة بين الزوجين  تحمل قضايا كثيرة في ابعاد فكرية وفلسفية مكثفة  لا يمكن حصرها بحوار سريع، كنت اتمنى توزيعها على شكل وحدات ممسرحة وليست تقريرية وممكن اللعب عن طريق السينوغرافيا في اقل تقديرعن كل حدث.

وممكن الاستفادة من قدرة الفنانة القديرة هناء محمد الادائية في اضافة ديالوك مونودراما  لتعزيز الحدث ليكون اكثر عمقا مع انها بذلت جهدا طيبا في تشخيص دور الزوجة في تلقائيتها المعهوده وحضورها الطاغي اذ كانت نسمة عاطرة ودافئة في ليلة شتائية باردة. وهذا ينطبق ايضا على الفنان القدير مازن محمد مصطفى الذي اجاد بدوره (بلوك جديد) ونحن في علم اليقين  ان في داخله حاله ادائية اكثر مما رأيناه.

حسنا فعل المخرج في استخدام ادوات الشغل المسرحي في تحول السرير والستائر كذلك نبضات القلب التي صارت بمثابة مؤثر حافز لنا باثارة الصمت المطبق في القاعة كذلك توضيب دقات الساعة وحركة ميلها ورقاصها، كما قام بتحجيم ساحة العرض ليتخلص من فضاءآت زائدة بتقارب الكواليس بطريقة كلاسيكية .اعاد لنا رونق الخشبة.كان موفقا في استخدام اللونين الابيض والازرق رمزا للصفاء والبهاء .


مشاهدات 52
أضيف 2026/02/07 - 12:12 AM
آخر تحديث 2026/02/07 - 1:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 60 الشهر 4516 الكلي 13936160
الوقت الآن
السبت 2026/2/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير