السردية التاريخية في رواية ألقوش في ليالٍ طوال لحمودي عبد محسن
عبدالله الميالي
الروايات الأدبية التي تستلهم التاريخ، لها جاذبية وخصوصية عند المتلقي الذي يحن إلى الماضي، فيجد نفسه يتماهى مع شخصيات الرواية من الناحية الإنسانية والعاطفية، بكل ما تحمله تلك الروايات من أحداث ومواقف وصور تختلط فيها الدموع مع البسمة، والمأساة مع البطولة، والخيانة مع الشرف، والهدم مع البناء، والولادة مع الأفول، والحرب مع السلام. وفي مثل هذه الروايات التي يشتبك فيها الأدب مع التاريخ، غالباً ما يتلقى القارئ تدفق المعلومات التاريخية بأسلوب أدبي جذّاب من دون ملل أو سأم.
يبدو أن تناول الأقليات الدينية والقومية في العراق روائياً قد استهوى السارد العراقي كثيراً بعد عام 2003 ، حتى بدا هذا التوظيف كأنه لازمة لابد منها في الكتابات السردية عند الكثيرين من الروائيين العراقيين والعرب. وهذا التوظيف يختلف من كاتب إلى آخر حسب توجهاته الفكرية والعقائدية والأيديولوجية . فهناك من يرى أن الاهتمام بالأقليات هو لكشف صراع الهويات والثقافات داخل الوطن الواحد، وهناك من يرى أن هذا الاهتمام هو لإعطاء صورة إيجابية باعتبار أن هذه الأقليات لها دورها الفاعل أيضاً في الساحة تاريخياً وحضارياً وثقافياً وإلى حدٍّ ما سياسياً .. ولعل هذا الهوى في توظيف وتناول الأقليات في الرواية العربية، هو جزء من أطروحة سرديات ما بعد الحداثة التي تتكئ على تحطيم السرديات الكبرى إلى السرديات الصغرى، ومن المركز إلى الهامش.
وأود أن أشير أنني اخترت مفردة (الأقليات) لكونها المفردة الأكثر شيوعاً وانتشاراً في الأدب والإعلام والسياسة والدراسات، علماً أن هناك من يتحفظ على هذه المفردة بعدّها تحمل شحنة سلبية، وهناك من يفضل مفردة (الهويات الفرعية).
ومن الروايات العراقية التي تناولت الأقليات على سبيل المثال لا الحصر: رواية (طشّاري) لإنعام كجه جي، ورواية (فرانكشتاين في بغداد) لأحمد سعداوي، ورواية (يا مريم) لسنان أنطون، ورواية (قسمت) لحوراء النداوي، ورواية (تغريبة الأزيدي) لصائب خدر، ورواية (جحيم الراهب) لشاكر نوري، ورواية (سبايا دولة الخرافة) لعبد الرضا صالح محمد، ورواية (بهار) لعامر حميّو، ورواية (عش الجمر) لزهير الهيتي، ورواية (أشكندا) لسعيد غازي الأميري.
ويبدو أن الروائي العراقي حمودي عبد محسن المولود في مدينة النجف في العام 1953 والمغترب حالياً في السويد، من المسكونين بهمِّ الأقليات الدينية في العراق، فهذه الرواية هي الثالثة في هذا الميدان، إذ سبق له أن أصدر:
ــ رواية (حُب في ظِلال طاووس مَلك) عن الطائفة الأيزيدية، 2017 .
ــ رواية (الراية البيضاء .. الدرفش) عن طائفة الصابئة المندائية، 2023 .
ترى الناقدة الألمانية مونيكا فلودرنك، في كتابها النقدي (مدخل إلى عِلم السرد) أن "السرد التخييلي يختلفُ اختلافاً جذرياً عن الكتابة التاريخية، إذ يطوّر مؤلف الرواية عالماً متخيّلاً ويُنتج القصة والخطاب السردي الذي يُناسب إنتاجه النص السردي، على الخلاف من ذلك يفكك المؤرخون معظم الأحداث المقنعة، ويؤلفون وصفاً للأحداث الممكنة من مصادره" .. وفي هذه الرواية ينفتح السرد على جماليات المكان وسحره منذ عتبة العنوان (ألقوش ..) ليستحضر للقارئ مدينة ألقوش عبر التاريخ وارتباطها بحضارات وكيانات وهجرات متعددة.
وتنحت رواية (ألقوش في ليالٍ طوال) في حفريات متعددة: انثروبولوجية، تاريخية، حضارية، دينية، أسطورية، اجتماعية، ثقافية، وبلغة أدبية شاعرية ممتعة. كما تستدعي الرواية شخصيات تاريخية ودينية معروفة ساهمت في إثراء السردية جمالياً، ومنهم: (السيد المسيح، النبي ناحوم، الملك سرجون الثاني، الملك سنحاريب، الملك نبو خذ نصر، الملك طهمورث، الملك هيرودوس، سميرا ميس، كورش، تيمورلنك، نادر شاه، وغيرهم)
الرواية تقع في أربعمائة صفحة، بجزأين كل جزء يقع في مائتي صفحة. الجزء الأول يروى بلسان الجدة مريام متداخلاً مع الراوي العليم، والجزء الثاني يروى بلسان الحفيد توما متداخلاً مع الراوي العليم. كأن هذه الحكايات المروية تتناغم مع مقولة بول ريكور: "إن الحياة لا تُفهم إلا من خلال القصص التي نرويها عنها" .. ولكن حكايات وقصص الجدة لحفيدها ليست للتسلية وقتل الوقت بقدر ما هي تجوال فكري في ميدان الذاكرة خشية اندثارها في خضم الصراعات الوجودية حول الانتماء والهوية والحياة: "كانت العجوز تطمح أن يكون القص ليس مجرد تسلية أو متعة لحفيدها قبل النوم، بل وسيلة لترسيخ الفهم في قلبه الطري. كانت تأمل أن يضيء سرد القصص قلبه البريء، ويمنحه بصيرة تساعده في فهم ما يحمله المستقبل من غموض وأسرار لا يعلم عنها شيئاً .. أرادت أن يكون القص بداية جديدة، تمنحه منظوراً مغايراً للحياة من خلال تاريخ يفتح أمامه أبواب المتعة الذهنية، ويعده للغد المجهول .. كانت تأمل أن يوقظ القص روحه، ويجبر قلبه على التمييز بين جوانب الحياة المضيئة والمظلمة" ص16 – 17.
الرواية بجزأيها تتناول سردية تاريخية لمدينة (ألقوش) التي هي جزءاً من تاريخ وحضارة وادي الرافدين. حيث طاف المؤلف بخياله حول جبل ألقوش المتشابك بأسراره، وتجوّل في أوديته المليئة بالصخور والكهوف والأشجار والزهور، وقابل الحيوانات والطيور التي كانت تأوي للجبل.
من جبل ألقوش ورمزيته التاريخية والأسطورية تنطلق الرواية بسرديتها لتتشظى في حكايات متسلسلة أشبه بمسلسل وثائقي: "في ليلة شتوية مظلمة، حالكة البرد، هبت ريح عاصفة غاضبة على قرية ألقوش، التي تستمد اسمها من إله الجبل القديم إيل قوش – الإله الكبير – حيث كانت القرية نائمة في حضن سفح الجبل" ص11.
وإذا كانت الضفاف والشواطئ هي بؤرة الحياة عند طائفة الصابئة المندائيين، فإن جبل ألقوش هو بؤرة الحياة عند أحفاد الكلدانيين، ولا يمكن أن يمر هذا الاسم مرور الكرام في ذاكرة الكلدانيين الأحفاد، كما هو ليس اسماً عابراً على جدار الجغرافيا: "كل شيء جميل في هذا الموطن، حين تغرب الشمس خلف الجبل، وتلقي بظلالها على حواف الصخور وتحت الأشجار التي تحيطها زهور برية. ثم يحل الغسق تدريجياً لتظهر النجوم ساطعة ومتألقة، وتزيّن السماء ببهائها" ص195 .. وهكذا يجبرنا الكاتب في روايته أن نصعد معه إلى جبل ألقوش لنطل على أحداث روايته من علٍّ.
في هذه الرواية نجد الجدّة تستدعي ألقوش كذاكرة متجددة وقصيدة مكتملة وأسطورة تتناقلها الأجيال شفاهاً أو توثيقاً. إذ شكلت ألقوش مع جبلها قلبها النابض، منهلاً عذباً لثنائية سردية روحية تعزف على أوتار الذاكرة نغمة الحنين إلى الماضي بكل قساوته وآلامه وصراعاته وتراجيديته في سبيل التشبث بالعقيدة المسيحية. ولا نأتي بجديد إن قلنا إن الشعوب تبحث عن كينونتها وهويتها من خلال تاريخها بكل ما يحمله من إرث فكري وحضاري وثقافي، وما ذلك إلا كجزء من السيرورة التي تتبناها الشعوب.
حفلت الرواية بمدلولات ومرموزات حياتية ووجودية متعددة، تمثلت بالماضي والحاضر والموت والفناء والميلاد والانبعاث والخلود والزمن والمكان والذاكرة والحب والحنين والكفاح والتضحية والإيثار.
استطاع الكاتب وباقتدار وبلغة أدبية وشاعرية ثرية أن يرسم ملامح سرديته المفعمة بعبق الماضي المضمّخ بإرث الأجداد الذي ضمّه ذلك الجبل الخالد الأسطوري (ألقوش)، كما استطاع أن يستنطق التاريخ ويبعث فيه الروح ليتجسد أمامنا كائنا حيّاً ينبض بالحياة. فضلاً عن هذا الكم الكبير من السردية الوثائقية وما فيها من تفاصيل وصور تكشف تاريخ ألقوش وما تعرضت له من غزوات وحروب وتغيّرات طيلة تاريخها الطويل.