الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القيان في ثوبهن المعاصر

بواسطة azzaman

القيان في ثوبهن المعاصر

محمد خضير الانباري

 

تتناول سورة يوسف، عليه السلام، مشهد إغلاق الأبواب في قوله تعالى: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ، إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23]، بوصفه دلالة رمزية على الخداع والمكر ومحاولات طمس الحقيقة وتزييفها. ويتقاطع هذا البعد الرمزي مع ما شهده العصر العباسي من انتشار ظاهرة القِيان، وهنّ إماء اشتهرن بالغناء والرقص، جرى استقدامهن لإشباع نزوات اللهو والطرب لدى الخلفاء وأصحاب النفوذ. وانصبّ الاهتمام آنذاك على الصوت والحركة والمظهر الخارجي، في مقابل تراجع قيمة العقل والجوهر الإنساني، في مشهد يعكس مفارقة حضارية وأخلاقية عميقة.

    أن هذه الظاهرة لم تظل حبيسة التاريخ، بل عادت لتتجلى في زمننا المعاصر بصور مختلفة، ذات طابع سياسي وإعلامي. إذ تحوّل بعض أبواق الإعلام ومن يُسمّون بالنقاد والمحللين إلى ما يشبه ( قيان العصر الحديث)؛ لا يمارسون الغناء أو الرقص، بل يؤدّون أدوارًا سياسية مأجورة، يحرّفون الحقائق، ويُسوّغون الإخفاق، ويُجمّلون الزيف لقاء مقابل مادي، غالبًا ما يكون مصدره خارجيًا لا يمت للوطن بصلة.

   نراهم يهلّلون لحدثٍ سياسي، أو يشمتون بسقوط زيداً أو عمراً، ثم لا يلبثون أن يعودوا في اليوم التالي برقصةٍ سياسية جديدة، وخطابٍ مغاير، على إيقاع موسيقى إعلامية مُحدَّثة. المهم أن يبقى الدافع حاضرًا؛ فمَن يدفع هو مَن يحدّد الإيقاع. وكما يقول المثل الشعبي (على دكّ الطبل خفّن يا رجّلي)، فهم يرقصون على كل مسرح، وفي كل اتجاه، بلا مبدأ يحكمهم ولا ثبات يقيّدهم.

الأدهى من كلّ ذلك هو انقلاب المعايير؛ إذ بات المرء يقدّم نفسه ناقدًا سياسيًا، ثم محللًا قانونيًا، ثم خبيرًا صحيًا، وربما طبيبًا مختصًا في الباطنية أو العظام، يناقش أدقّ شؤون السياسة العليا، أو يُبدي آراءً قانونية في وزارات سيادية، بل ويشارك في بحوث ترقية وظيفية، دون أدنى اختصاص أو معرفة علمية راسخة. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يجوز لأستاذ في العلوم السياسية أن يناقش بحثًا لطالب في الطب؟ وهل كان يمكن لهذه الفوضى أن تُقبل لو انعكس المشهد؟

    لقد اختلطت الأدوار، وضاعت الحدود، وأصبح الرأي سلعة، والاختصاص زينة شكلية، بينما تراجعت الحقيقة إلى آخر سلم الاهتمام. بعض من يُسمَّون محللين يصرّون على مخالفة الجميع، لا بدافع قناعة علمية، بل طلبًا لرضا “هارون الرشيد الجديد”، والتقاطًا لفرصة التقرب من أصحاب القرار، تمامًا كما كانت القيان تتنافس يومًا على رضا الخليفة.

    أن التاريخ يعلّمنا درسًا واضحًا: القيان يُستبدلن دائمًا. فما إن يجد الخليفة من يرقص أفضل، أو يغنّي أجمل، حتى يُلقى بالأولى جانبًا. وكذلك الحال اليوم؛ فكل من بنى حضوره على التزييف والرقص السياسي، سيُستبدل عاجلًا أم آجلًا بمن هو أكثر قدرة على التمثيل، لذلك، فليكن الرجل رجلًا: خلقًا، وتصرفًا، وعملًا، فالمواقف لا تُشترى، والكرامة لا تُستعار، والتاريخ لا يرحم، القيان… مهما تغيّرت أزياؤهم.


مشاهدات 25
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/03 - 1:34 PM
آخر تحديث 2026/02/04 - 3:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 2398 الكلي 13934042
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير