الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قطار  العيد بين محطات الأمس واليوم

بواسطة azzaman

قطار  العيد بين محطات الأمس واليوم

 

موسى عبد شوجة

 

مايزال قطار العيد  يقرع  بطراوة اوتار حنجرة صفارة قاطراته الملّونه....يسعى بحثيث شروع واجتهاد ..لتوقظ مدن الذاكره لسرايا الماضين وزحف الآتين ...وهو على فرسخ ونيف ليجثم على سكة ارصفة محطاته الحبلى بالاماني  المخضرمه واحلام العاشقين الشفافه ... المرفرفه...بنسيم الرؤى بين التمنّي واليقظه...

نعم  ..هاهو ... رنين عجلاته الرتيبه .. يقطع سكون ليل مسافاتنا المثقلة بأكداس الامنيات وقوارير رحيق مَنْ غرست رؤياهم ووصالهم  شغاف واحات قلب رؤوم....ارهقه نصب الشوق والوجل....

احقاً ..ما ترى .. عيوننا  المسّهدة  أحبةً لنا مَنْ سافروا بجناح المنون وغابوا بعجاله

ايامنا اليتيمة

وغفله....قد شُبِهوا  لنا ولحدقات عيون اعشاها الانتظار وعتمة الحنين بأن قد عادوا اليوم كضيوف... في قطار عيدنا الآتي الذي رحّبت باطلالته مقل ايامنا اليتيمه.. لتطوف ارواحهم ومناديلهم البيض..حول  محطات عيد.. تلونت بأريج ذكرياتهم..وحكاياهم....بما في معينها من قهقهة..وضحكة وابتسامه...وسرور  ناغمت  بالحان صباحاتهم المؤرقه تلك (الاراجيح...ودواليب الهواء..وعربات الخيل....وطائرات ورقيه  مطرزه بانياط الافئدة الحرّى..و..و..و )..

بلى... كُنا ...وكانوا.. نرتشف من  سلسبيل ينابيع فجرٍ لاول عيد  عرّجَ  الى فضاءات الصبا  وايقونة الشبيبه.. وبواكيرها..

وها ..هو قطار العيد ..يتطلع  على ضفاف محطاته .. هلال عيد يتأرجح..ويترّنم.. بأراجيز ذاكرة روّاده وعوّاده ...وهي تقتفي حلّة واطلالة مرتقبة  لتناغم روحنا الغافيه …. بموجات حسرة وتمنّي ممتزجة بزلال ينبوع شوق وحنين لاتتوقف تياراته...واعاصير بركانه..الدافق

نعم ..لهذه المحطات قلب يمسّهُ  شريانٌ كنهرٍ لاينضب معينه مهما ترسبت ادران أفكارنا المتخمة بالمتناقضات  وما تليف من عوالق وشوائب سنين عجاف...وداء عقور لئيم..   نعم محطات يتناوب قطار عيدنا  حول محور تماسها.. وافق  تلاقيها  لتتصفح  ماتحمله مقاعد قاطراته لنا بكل  ماتبقى من ارث مسافريه المغادرين والذين غابوا بمجسماتهم وتصاميمهم المتداخله. .. وقد  ألتصقت على اديم مجالسهم وحضورهم المغيّب . .. بطاقات ذكرى وعبق اياديهم  الندّية السمراء

قاطرات ملؤها   ذاكرة مالحة.. يتبختر على متنها هلال عيدنا..بكل ماضيه وحاضره … وما تؤول رحلاته المتواتره .لنرى أمتدادنا  امام  واقعية لمحطات الأمس   وما يحمل بطياته  .. (قهقهاتنا ..اناشيدنا الشجية ..وزغاريد الصبا…وطراوة الاماني المخبئه في حقائبنا…ورنين عيدياتنا المعدنيه ورائحة كليجة امهاتنا الزاكيات... وعطر قيافة والدنا البهية)

نعم …نجوب... ونطوف في مزارات قفار ذاكرتنا بغربتها وحنينها بقاطرات احلامنا المتسارعه..والتي قد شغفها الانتظار بمحطات مزدحمه بتداخلاتها.. وتعرجاتها... وتضاريس جغرافية مسارها.. بين مدن تهاوت وتلاشت   بوابات  اسوارها الزجاجية بجلمود  الشك المريب....وعواصف الضياع ألهائجه  العتيه....

ربما .. مايزال امل التلاقي والوصال يسري بنخاع خلايا هذا الجسد المتكلس  برنين عجلات قطار أخر ليل داجٍ

ورنين لعجلات قاطرات زمن آتي  قريب ….نامي...ينتظر تباشير مواسمه... التي تتوحم...

نعم   فلا  يكبح  مسرى قطار عيد ما تزال  صفارته توقظ ليلا لزجاً ملتهباً  بسعيرشوقنا الجامح و نبضات خرّس لفؤاد شفه الوجل…. والذي بات  مثقل بأسئلةٍ الحيارى التي  لاجواب لها.....

قطار ... ينثر مابين روابي الروح وافاق البعد والهجر..والرحيل ،جرعة عطر  لنفحات قبسٍ …. قد تتلاشى او تخّفت اوتتلّبد  بسكون قلق… وسحب انتظارعقيمه ..

لعمّري... ان ما يبث في كينونتنا لانتظار قطار العيد..ذلك الأمل النافذ . ... من شبابيك قاطراته الملونه  هو أكفّ وانامل تلّوح لهلال مطّل  على مشارف  مدينتنا الناعسه بسكرة حلم ثمل بين  شعور  الماضي ورونقه ….وشبح مهّول لمستقبل منحدر بتعرجات مريبة .. وخطر محدق...

قطار شهقة صفارته  ..دمعة…مسافرة ذرفتها عيون احبةٍ رحلوا...وتركوا حقائباً لأمنياتهم و(عيدياتهم) وحناء أكفَّهم…نعم هُنا وهناك خصال مبعثرة لضفائر دجله ونسيج طرّي لرئة فرات ذُبحِت بضفافه نوارساً وزنابق... وقد نلمح هناك نجمة فجر لحظة وداع بريقها… لهلال يتبختر على شرفات  منازلنا التي غزتها صبغة الكهوله المقيته …لتشدو جدرانها العتيقه ودرابين ازقتنا الصبيه  اول اغنية عيد صبابتها (خرجت يوم العيد بملبّسي الجديد..) وها قد  أتينا بغراسٍ  وفسائل لنشتلُ ….ما بين مروز واحة جيلنا الواعد   زهرةً .وارجواناً….ينزف عطراً واريجاً….بمدار ينابيع الأمل المرتقب….الموعود ...

سرور وغبطة

لنستقبل قطار عيدنا  وهو يبتكر محطاته بأنشودة حنجرةٍ….مدوّيه..لتطفو على زبد موج اوتارها سفن  للسرور والغبطه   .والبهجة الندية الخضراء… التي تتغنج على موانىء ومحطات صباحاتنا بين ستائر شفق مسدّله ..لتصافح…هلال عيد  بثوب  وتاج السعادة والرخاء والامل المنشود..

نعم  عندما نقف على ارصفة محطات  ايامهم وصباحاتهم الطرية المشرقه بوهج جبينهم الزاكي ،  تتقمص لنا عيونهم التي تكحلت ببريق الوفاء والنقاوه والبراءه  .. كبوصلة تؤشر لاتجاهات متعامده  نحو مسرى قطار عيد  مرتقب متخم بالبهجة والغبطة والسرور..

وهو يرتل نوره الدرّي  في معراج  باكورة اطلالتة لينثر على قمم المحطات وشرفاتها وزواياها عطر شمائلهم وحكاياهم  ..ويجتاز  بنا  الى محطات الماضي   وساعاتها الحبلى بموائد بساتين غراسهم ،  وما حملت  من ثمرات… واحاتهم  النضرّه  المزادنة بألق الامس الذي جرى في اوردتنا   فيضاً من المسك   …. والعنبر لشتلات بصماتهم  المجسّمه بمشكاة حضورهم الجلّي البّهي الطلعة والحضور.

نعم نحدق  بزنابق خضراء حول محطات   غادرها زراعُها ومبدعيها … نحو غياهب وقلاع  الرحيل .

و يا  أسفي.. قد ادمنت جذورها فصل جفاف طويل.. هو الرقاد الكامن . …بين ذراعي أمنية مضطربه قلقه لعيد رؤوم منتظر..  وها هي مفرداتنا تستسيغ غيث ضحكةٍ أمسٍ لزغرودة ِِ أول رؤيا لمخاض هلال  ملؤه البراءة  والايثار .. يسري بشريان شعاعه الوهاج ..فيضُ غدير لأمنية نجم بكِر…. وتراويح  لفجرٍ مغيّب.نعم يأخذنا خطى قطار  الأمس الى اراجيح العيد وعرّباته الملّوحه بمناديل طفولتنا  البيض المعطرّه بعبق نسيم  عيد في تباشير  زفافه.

ولطالما حدّقنا بملامح وقسّمات وجه هلاله البسام وهو يترجل بين بيوتات الطين وضفاف  دجلة والفرات ليفرش  جناحيه وجدائله بدفء وحنان  بما يحمل من سنا ونور وسرور  لمدائننا  البائسة.

نعم  كنا  نرتشف من غنج ضياؤه   رحيق  خبزٍ فراتي ندي .. كندواة مشاعرنا الزاهره . ورقتها…. والتي لا يتغير  لون شذراتها   مع تناوب المواسم  وفصول العمر…. ولا تبلى  ولا تفنى اشراقتها ..مهما  تأرجح  المكان …والزمان على عتبات الذاكرة  وبواباتها وعواصف جهاتها القلقه .

وها نحن الآن  نجتر نسغ ذكرياتنا لنقول الآن..الآن   يحدو بنا خوف وحذر حرج لما يحمله  معين الزمن الآتي من غسقٍ  و وداع مرتقب  لخضار المواسم وينابيع الربيع.وحذاري  ..حذاري..  ان تصعق روحنا الغافيه ما بين سكرات الضمور وذهول التلاشي بموجات ألم  مزمن وانين مترسب على وديان وبقاع احلامنا الشاخصه.فقد حان الولوج   لعيدٍ  يمرّ اليوم غريباً على حيّنا. فمتى نخّضب باطن أكفَّنا..ونعفّر ضفائر ايامنا لحظة  ببريق عيد يتراقص بأهازيج صباحات صبانا وبراءة حكايانا.  . التي سافرت مع مَنْ غابوا من ديارنا.... وامسوا  تلوك اجسادهم  لحود وديدان اجداثهم..

و يا أسفي لو  اخضرت  واينعت أغصان طيفهم  الموعود في مواسم  خضار ربيعهم الافل…. لشّدونا لحّن حنينهم بترنيمة نقضم بها  ونزيل مسافاتٍ ومساحاتٍ لاوجاعنا ونداوي جرحنا  المزمن النخرّ من خبث ديدان عث الرحيل .

لماذا اذن ..يا ترى نوقظ اعين مَن ْغابوا بعد أن تركوا لنا أرثاً  من وجعٍ وضجيجٍ لداءٍ عقور.

وماذا بعد هذه الغربة  الصاخبه في أتون الرحيل … فهل  نقف ونترقب  قطاراً للعيد مؤرقاً…. قد يعفّره غبارُ أنينٍ مزمن..وسنين قحطٍ.. تتوحم ؟؟  .

فيا  ليت  الذاكره  تغتسل من أدران ترسبات مرارة وحرارة الغياب ……. وليت عقاقير الدنيا تضمد جراح روحنا المحتضره وهي ترمقُ هلالا لقطار عيد يمر بين محطات الأمس واليوم...  سيما ونحن نتنفس زفيراً لفراقٍ شقيٍّ  عتيٍّ...

لأحبتنا الذين ليسوا معنا  الآن..ولا نرى العيد إلا بهم،

هذه النظرة أوضحها المتنبي في قوله: “يُضاحِكُ في ذا العيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ *** حِذائي وَأَبكي مَن أُحِبُّ وَأَندُبُ.. أَحِنُّ إِلى أَهلي وَأَهوى لِقاءَهُم *** وَأَينَ مِنَ المُشتاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ”.

وكذلك قوله : عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ *** بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ؟،

او كما يقول الشاعر الصوفي أبوبكر الشبلي: أصبحتُ في ترحٍ والناسُ في فرحٍ *** شتّان بيني وبين الناس في  العيدِ

اما ..انا هذا الشاعر المتواضع  الذي سقط على متن التاريخ البشري في سنة ١٩٦٦ اقول:-

يا شهقة   العيد  التي   غنت  ولاحت

في   سنين   العمر   ازهاراً       تفوح

أنا ها هنا  ، كسفينة ..تبكي على  ربانِّها

وشراعها      بين  العواصف    إذ يبوح


مشاهدات 3868
الكاتب موسى عبد شوجة
أضيف 2025/03/29 - 12:52 AM
آخر تحديث 2025/04/01 - 2:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 86 الكلي 10580733
الوقت الآن
الثلاثاء 2025/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير