الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الاكتفاء الذاتي من الطاقة في العراق.. التقدم والقيود ومخاطر السياسات

← بواسطة azzaman

الاكتفاء الذاتي من الطاقة في العراق.. التقدم والقيود ومخاطر السياسات

ثامر عباس الغضبان

 

في 4 تشرين الثاني 2025، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن العراق حقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية الرئيسية، مقدماً هذا التطور بوصفه خطوة مهمة نحو الاستقلال الحقيقي في مجال الطاقة. وأصدر لاحقاً توجيهاً بإيقاف استيراد البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض، مع تصدير الفوائض، على أساس أن الإنتاج المحلي تجاوز الطلب المحلي. وفي إعلان منفصل، توقع رئيس الوزراء أن ينهي العراق استيراد الغاز بحلول عام 2028.

قبل توجيه تشرين الثاني 2025، كان العراق يستورد نحو 6–8 ملايين لتر من البنزين يومياً لاستكمال الإمدادات المحلية وتلبية استهلاك يتجاوز 30 مليون لتر يومياً. وبعد ستة أشهر، شهد البلد نقصاً حاداً في البنزين مع ارتفاع الطلب إلى أكثر من 34 مليون لتر يومياً. ولذلك اضطرت حكومة الزيدي الجديدة إلى استئناف الاستيراد في وقت اتسم بارتفاع استثنائي للأسعار وصعوبات كبيرة في تأمين الإمدادات.

لماذا تعذر استمرار حظر استيراد البنزين

لم يأخذ قرار إيقاف استيراد البنزين في الحسبان على نحو كافٍ عدداً من العوامل الهيكلية والتشغيلية:

متطلبات المزج. كان جزء كبير من البنزين المستورد يُستخدم لمزجه بالبنزين المحلي ذي الرقم الأوكتاني المنخفض، أو مع النفثا ولا سيما المنتج في مصافي بيجي.

الطلب الموسمي. ظهر الفائض الظاهري في تشرين الثاني، حين يتراجع الطلب على البنزين عادةً. وقد عُرف النمط الموسمي الواضح للاستهلاك في العراق منذ عقود، بما في ذلك خلال تسعينيات القرن الماضي؛ إذ يبلغ الطلب ذروته خلال أشهر الصيف الحارة، وينخفض إلى أدنى مستوياته خلال الأشهر الباردة.

إدارة المخزون الاستراتيجي. وفقاً للممارسة المتبعة منذ أمد طويل في وزارة النفط، تُكوَّن احتياطيات استراتيجية من البنزين وزيت الغاز خلال الخريف والشتاء من الفوائض الموسمية. وفي المقابل، تُكوَّن احتياطيات النفط الأبيض والغاز النفطي المسال خلال الصيف، حين يكون الطلب على هذين المنتجين في أدنى مستوياته. وعندما توقف استيراد البنزين، جرى السحب من المخزون لتلبية الطلب المتزايد، مما أسهم في نهاية المطاف في حدوث نقص حاد خلال الصيف.

فقدان الإمدادات بسبب التهريب الداخلي والخارجي. أسهم عاملان إضافيان في خفض الكميات المتاحة للسوق المحلية. أولهما «التهريب الداخلي»، الذي حوّل جزءاً من المنتج إلى إقليم كردستان بسبب الحافز المالي الناشئ عن الفروق الكبيرة في أسعار التجزئة. وثانيهما استمرار «التهريب الخارجي» إلى البلدان المجاورة، مدفوعاً أيضاً بفوارق الأسعار.

وتراجعت توقعات الإمدادات أكثر بسبب تأخر تشغيل وحدة التكسير المحفز بالعامل المساعد (FCC) التي طال انتظارها في مصفى البصرة. فالوحدة، التي كانت تخضع لإجراءات التشغيل التجريبي لإنتاج نحو 5 ملايين لتر يومياً من البنزين عالي الأوكتان، لم تدخل الخدمة بعد مغادرة المقاول بسبب الصراع الإقليمي.

وتشير هذه العوامل مجتمعةً إلى أن العراق لم يكن قد حقق بعد اكتفاءً ذاتياً مستداماً من المنتجات النفطية الرئيسية.

وتوضح هذه التجربة أهمية التمييز بين فائض موسمي مؤقت ووضع مستدام للإمدادات، تسنده طاقة تكريرية كافية، ومكونات للمزج، ومخزونات استراتيجية، وضوابط فعالة للحد من تسرب المنتجات من السوق المحلية.

إمدادات الغاز وهدف الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2028

سيكون تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بحلول عام 2028 بالغ الصعوبة. ويدعم هذا التقييم اتفاق العراق مع شركة إكسيليريت إنرجي الأمريكية لتوفير وتشغيل وحدة لاستلام الغاز المسال وإعادة تحويله الى غاز في ميناء خور الزبير. وقد وقعت إكسيليريت إنرجي ووزارة الكهرباء اتفاقاً نهائياً لمدة خمس سنوات في 25 تشرين الأول 2025، تمتد مدته إلى ما بعد السنة المستهدفة المعلنة لإنهاء استيراد الغاز.

تبدأ الخطة بمرحلة أولية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال بما يعادل 250 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً في عام 2026، مع توقع زيادات لاحقة. وينبغي تحديد الحجم النهائي لهذه الزيادات بعد تأكيدها.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى استيراد الغاز من إيران على مدى سنوات عديدة لتغذية التوربينات الغازية في المشاريع الاستثمارية، وهو ما استمر حتى خلال عام 2025 ، وإن كان بمعدلات منخفضة.

حرق الغاز والطاقة الاستيعابية لمعالجته

أحرق العراق تاريخياً كميات كبيرة من الغاز بسبب عدم كفاية طاقات المعالجة، وصُنّف ضمن أكبر بلدان العالم حرقاً للغاز. وبلغ متوسط إجمالي إنتاج الغاز، باستثناء إقليم كردستان، نحو 3,250 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، جرى تجميع أو استثمار نحو 2,200 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً منها، فيما أُحرق المتبقي البالغ نحو 1,000 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً.

ويعادل ذلك نسبة حرق قدرها 30% من إجمالي الغاز المنتج، وهو ما يمثل تحسناً ملحوظاً مقارنة بنسبة تراوحت بين 40% و50% قبل سنوات. وأصبح هذا الانخفاض ممكناً بعد توقيع وتنفيذ عدد من العقود خلال عام 2019 وما بعده. وتشمل المشاريع الرئيسية ما يأتي:

- توسعة شركة غاز البصرة، وحدتا المعالجة الأولى والثانية: بطاقة -معالجة إجمالية تبلغ 400 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً؛

-مشروع معالجة الغاز في حقل الحلفاية: 300 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً؛

-مشروع معالجة الغاز في حقلي الناصرية والغراف: 200 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً؛

-مشروع معالجة الغاز في أرطاوي، المرحلتان الأولى والثانية: 600 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً؛

- مشروع معالجة الغاز في حقل بن عمر: 150 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً.

أُنجزت المشاريع الثلاثة الأولى، إلى جانب جزء من المرحلة الأولى لحقل غاز عكاز، الذي تبلغ طاقته الحالية نحو 40 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً. وأسهمت هذه الإضافات في خفض حرق الغاز بدرجة كبيرة، ورفع نسبة استثمار الغاز المنتج إلى أكثر من 70 في المائة في المحافظات الخمس عشرة التي تديرها الحكومة الاتحادية.

تركيبة موارد الغاز في العراق

يتجاوز إجمالي احتياطيات الغاز في العراق 130 تريليون قدم مكعبة قياسية، وأكثر من 75% منها غاز مصاحب. ومعظم الغاز المنتج في العراق هو غاز مصاحب. ولا تدير وزارة النفط في الوقت الحاضر سوى ثلاثة حقول للغاز غير المصاحب، هي عكاس والمنصورية والسيبة. وقد طُوّر حقل السيبة ودخل مرحلة الإنتاج، فيما يجري تطوير الحقلين الآخرين، اللذين يمكن أن يضيفا نحو 700 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً عند استكمال تطويرهما. كما أن عدداً من المكامن الغازية ضمن حقول النفط والغاز التي أُحيلت في جولة التراخيص الخامسة لديها القدرة على إضافة كميات كبيرة من الغاز عند تطويرها.

يمتلك إقليم كردستان احتياطيات كبيرة من الغاز الحر تتركز في عدد من الحقول، أهمها حقل غاز خور مور.

نظرة عامة على قطاع الكهرباء

يشكل قطاع الكهرباء المكوّن الرئيسي الثاني لقطاع الطاقة، إلى جانب النفط والغاز. وعلى مدى السنوات الـ22 الماضية، ظلت إمدادات الكهرباء غير موثوقة وأقل بكثير من الطلب، بسبب عدم كفاية القدرات في القطاعات الفرعية الثلاثة: التوليد والنقل والتوزيع.

استمر الطلب في الارتفاع، في حين ظلت خدمات الكهرباء مدعومة بدرجة كبيرة، إذ تشير التقارير إلى أن الحكومة تتحمل نحو 90% أو أكثر من تكاليف التشغيل. وتفاقم الوضع بفعل الفساد وضعف الإدارة والتعيينات السياسية في المناصب الرئيسية. كما زادت الضائعات الفنية والتجاوزات على الشبكة وعدم تسديد الفواتير من العبء المالي على القطاع.

إضافة إلى ذلك، تضم القطاعات الفرعية الثلاثة أعداداً كبيرة من العاملين، شأنها شأن الشركات العامة الأخرى ذات التمويل الذاتي. ولم تتمكن وزارة الكهرباء من تسديد مستحقات الوقود الذي توفره وزارة النفط. ونتيجة لذلك، عمد مجلس الوزراء دورياً إلى شطب ديون وزارة الكهرباء المستحقة لوزارة النفط.

طريق العراق الطويل نحو استقلال مستدام في مجال الطاقة

كشفت الأزمة الراهنة مجدداً عن استمرار هشاشة وضع العراق. فعدم نجاح البلد في تحقيق استقلال مستدام في مجال الطاقة لا يعود إلى قيد واحد، بل إلى مزيج من الاضطرابات التاريخية، وضعف البنية التحتية، والقصور المؤسسي، وتأخر الإصلاح.

العقبات الرئيسية

- عقود من الاضطرابات السياسية والحروب والعقوبات والإرهاب وانعدام الأمن.

- محدودية مسارات تصدير النفط وقابليتها للتعطل.

- تقادم تقنيات التكرير وعدم كفاية طاقة التكرير المحلية.

 - عدم كفاية طاقات معالجة الغاز، مما يؤدي إلى هدر الغاز المصاحب ذي القيمة الاقتصادية أو عدم استثماره بالكامل.

- عدم كفاية قدرات توليد الكهرباء ونقلها.

- تقادم منظومات توزيع الكهرباء وضعف إدارة القطاع.

- الدعم الكبير للمنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات المملوكة للدولة ذات التمويل الذاتي والمسؤولة عن تشغيل القطاع.

غياب إصلاح عميق ومنسق يشمل قطاع الطاقة بأكمله.

الأسس التي أُرسيت في سبعينيات

 القرن الماضي

خلال سبعينيات القرن الماضي، حقق العراق تقدماً كبيراً، ليس في مجال الطاقة فحسب، بل أيضاً في الاقتصاد والصحة والتعليم وغيرها من مجالات التنمية الوطنية. وفي قطاع الطاقة، أدى تأميم الموارد النفطية بين عامي 1972 و1975 إلى إخضاع إدارة الموارد الهيدروكربونية للسيطرة الوطنية. وأصبحت شركة النفط الوطنية العراقية المشغّل الوحيد، واكتُشفت حقول نفطية كبرى خلال ذلك العقد.

ركزت شركة النفط الوطنية العراقية على التخطيط طويل الأمد والاستكشاف وتطوير الحقول وبناء القدرات العراقية في خدمات الحقول النفطية. وفي الوقت نفسه، استعانت بمقاولين ومجهزين أجانب من مختلف أنحاء العالم. وأسهم هذا النهج المزدوج في التوسع السريع للطاقة الإنتاجية النفطية.

وسّع العراق أيضاً بنيته التحتية للتصدير.

فشُيّدت ووُسّعت خطوط الأنابيب والموانئ القائمة، بما فيها ميناء البكر النفطي، فيما استُحدثت منافذ جديدة عبر تركيا من خلال خط أنابيب العراق–تركيا. كما أُنشئت خطوط أنابيب داخلية، من بينها الخط الاستراتيجي، لتوفير مرونة أكبر في نقل النفط الخام بين منظومتي الإنتاج لشمالية والجنوبية.

الغاز والتكرير والكهرباء والتنمية الصناعية

بعد سنوات من الإهمال من جانب المشغّلين الأجانب، حظي الغاز باهتمام خاص. وضم مشروع غاز الشمال في كركوك وحدتي معالجة بطاقة إجمالية تبلغ نحو 500 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً. وفي البصرة، اشتمل مشروع غاز الجنوب على منشآت لسوائل الغاز الطبيعي (NGL) في حقل الرميلة الشمالي، ومعامل للغاز النفطي المسال (LPG) ، ومستودع للتبريد والتخزين، وميناء لتصدير الغاز النفطي المسال والمكثفات، بطاقة معالجة إجمالية تتجاوز 1,000 مليون قدم مكعب قياسي يومياً.

أُنشئت شبكة من أنابيب الغاز لتزويد المنشآت الصناعية ومحطات الكهرباء في شمال العراق وجنوبه. وزُوّد مجمع البتروكيمياويات في البصرة بغاز الوقود واللقيم من معمل معالجة الغاز في خور الزبير. ووُسّع مصفى الدورة، وأُنشئ مصفى الشعيبة في البصرة، وأُنجز المصفى الأول في بيجي. كما شهد قطاع الكهرباء توسعاً كبيراً بإنشاء محطات غازية وبخارية وكهرومائية.

أدركت وزارة النفط وشركة النفط الوطنية العراقية أن الإدارة الوطنية الفعالة تعتمد على تنمية رأس المال البشري. فأُنشئت معاهد للتدريب النفطي ومختبرات حديثة ومراكز بحثية. وحصل العاملون الذين اختيروا على أساس الكفاءة على بعثات لإكمال الدراسات العليا في جامعات مرموقة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها، فيما تلقى آخرون تدريباً تخصصياً في مختلف مجالات صناعة النفط والغاز.

التعاون الدولي وتنامي الطاقة الإنتاجية

طوّرت شركة النفط الوطنية العراقية والوزارة علاقات مع مؤسسات دولية في الشرق والغرب، وتعاونتا مع شركات نفط أجنبية في الاستكشاف وتطوير الحقول. وأسهمت الاتفاقيات مع شركة إلف–إيراب الفرنسية وشركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، وشركة بتروبراس البرازيلية، وشركة تكنو إكسبورت السوفيتية، في اكتشاف أو تطوير حقول كبرى، من بينها ميسان ومجنون وشرق بغداد وغرب القرنة.

بحلول نهاية العقد، كانت الصناعة النفطية العراقية ترسخ موقعها بين أكثر الصناعات النفطية الواعدة في العالم، وكان العراق يؤدي دوراً مؤثراً في منظمة أوبك. بلغت الطاقة الإنتاجية للنفط الخام نحو 3.5 ملايين برميل يومياً في مطلع عام 1980. واستهدفت الخطة الخمسية الثانية المعتمدة للأعوام 1979–1983 بلوغ طاقة إنتاجية نفطية قدرها 5.3 ملايين برميل يومياً.

الحرب وهشاشة منافذ التصدير وضياع الاستثمارات

شكّلت الحرب العراقية–الإيرانية، التي اندلعت في أيلول 1980، بداية صراع مدمر استمر ثماني سنوات وخلّف آثاراً عميقة على قطاع الطاقة والمجتمع العراقي. وإلى جانب الخسائر البشرية الهائلة، ألحقت الحرب أضراراً بالبنية التحتية، وقلّصت الاستثمار، وأثقلت كاهل البلد بديون خارجية كبيرة.

كان من أوضح دروسها الاستراتيجية أن العراق يحتاج إلى ثلاثة منافذ تصدير كبيرة على الأقل عبر البلدان المجاورة، تسندها شبكة نقل تربط الحقول النفطية الشمالية والجنوبية. فعندما تتعطل الصادرات عبر الخليج العربي، يواجه العراق خطر فقدان معظم صادراته النفطية وإيراداته، فضلاً عن جزء كبير من إمداداته الغازية، لأن إنتاج الغاز في الجنوب يرتبط إلى حد كبير بإنتاج النفط الخام. ويؤدي انخفاض إنتاج الغاز بدوره إلى تراجع توليد الكهرباء وتقييد إنتاج البتروكيمياويات والأسمدة وغيرها من الصناعات. وكان إنشاء خط أنابيب العراق عبر المملكة العربية السعودية (IPSA) من أبرز استجابات العراق الجادة لهذا الدرس.

بعد الحرب، بدأ القطاع يتعافى، فارتفع إنتاج النفط، ووُضعت خطط للوصول إلى طاقة إنتاجية للنفط الخام قدرها 6 ملايين برميل يومياً خلال خمس سنوات. كما صممت الوزارة نموذجاً جديداً للتعاون مع شركات النفط العالمية لتطوير الحقول العملاقة. غير أن غزو العراق للكويت وضمها في آب 1990 عصف بتلك الجهود.

حرب عام 1991 وثلاثة عشر عاماً من العقوبات

تسببت حرب الخليج عام 1991 في دمار واسع النطاق في أنحاء العراق. فقد تضررت أو دُمّرت منشآت إنتاج النفط ومضخات حقن المياه ومحطات الضخ الرئيسية ومستودعات الخزين، والمصافي ومحطات الكهرباء والجسور.

وتعرض مصفى الدورة لقصف صاروخي مرتين، فيما تعرض مصفى بيجي لقصف جوي. وتجاوزت الخسائر الحقيقية البنية التحتية المادية بكثير، لتشمل الوفيات والإصابات والنزوح وغيرها من العواقب الإنسانية الجسيمة.

أعقبت الصراع انتفاضات في الجنوب والشمال قمعها النظام بعنف. وانخفضت الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز انخفاضاً حاداً، وخرج مصفيا الدورة وبيجي من الخدمة، وأصبحت انقطاعات الكهرباء المطولة شائعة.

خلّفت العقوبات المفروضة على العراق خلال السنوات الثلاث عشرة التالية آثاراً مدمرة على البلد وقطاع الطاقة فيه. فقُيّدت صادرات النفط، وخضعت الواردات لرقابة مشددة، وعانت الصناعة من أضرار الحرب وضعف الاستثمار والنقص الحاد في قطع الغيار والمواد الكيميائية. ومع ذلك، أعادت الكوادر الوطنية ذات الخبرة والتفاني تأهيل منشآت مهمة. وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة، استأنف مصفى الدورة الإنتاج بعد 45 يوماً فقط من وقف إطلاق النار، ثم تبعه مصفى بيجي. كما أُعيد تأهيل محطات عزل الغاز المتضررة في حقل الرميلة.

تعافت الطاقة الإنتاجية تدريجياً، ولا سيما بعد تنفيذ برنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء، الذي خُصصت بموجبه أموال محدودة لإعادة تأهيل الصناعة النفطية واستدامة صادرات النفط.

الانهيار في مرحلة ما بعد عام 2003

أدت حرب عام 2003 إلى انهيار النظام. وعلى الرغم من أنها لم تسبب المستوى نفسه من الدمار المادي المباشر للبنية التحتية للنفط والغاز والكهرباء الذي سببته الصراعات السابقة، فإن عمليات النهب الواسعة، ولا سيما في الحقول النفطية الجنوبية ومنشآت معالجة الغاز، أفضت إلى خسائر كبيرة في الطاقة الإنتاجية. وأسهم برنامج واسع لإعادة التأهيل لاحقاً في دعم التعافي التدريجي لإنتاج النفط والغاز وتوليد الكهرباء.

لكن خلال أشهر، بدأت جماعات إرهابية تستهدف أنابيب النفط الخام والمنتجات النفطية ومنشآت الحقول والمصافي، في محاولة لإضعاف اقتصاد الدولة الجديدة. واستمرت أعمال التخريب والنهب والتهريب سنوات، رغم الإجراءات الحكومية المضادة.

وفي الوقت نفسه، ترسخت ممارستان شديدتا الضرر: الفساد الواسع النطاق، وتعيين مسؤولين ذوي صلات سياسية يفتقرون إلى الخبرة أو المؤهلات أو الالتزام اللازم. ومع تدهور الأمن، قُتل أو اختفى أو غادر البلد عدد من كبار الكوادر الكفؤة. وأُحيل كثيرون آخرون إلى التقاعد. وكانت المحصلة التراكمية نزيفاً مستمراً للكفاءات وتدهوراً في الإدارة المؤسسية.

خطط إصلاح بلا تنفيذ

بُذلت جهود كبيرة لمعالجة هذه المشكلات. وأُعدّت سياسات وخطط واستراتيجيات بأهداف معلنة تتمثل في إصلاح القطاع وإعادة بناء القدرات وتعظيم العوائد الاقتصادية وتحقيق الاكتفاء الذاتي للعراق في مجال الطاقة.

كانت الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للطاقة 2012–2030 أهم هذه المبادرات. وقد أعدّتها شركة بوز آند كومباني بدعم فني ومالي من البنك الدولي، بالتعاون مع لجنة عراقية رفيعة المستوى ترأسها رئيس هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء، وضمت ممثلين كباراً عن وزارتي النفط والكهرباء والمؤسسات الأخرى ذات الصلة.

أقر مجلس الوزراء الاستراتيجية، وحظيت بترحيب المنظمات الدولية العاملة في العراق. ومع ذلك، لم تُنفّذ. فقد حالت مقاومة التغيير وضعف الالتزام السياسي وتشتت الصلاحيات وغياب الإصلاح المستدام دون تحويل توصياتها إلى إجراءات عملية.

داعش واستمرار الانقسام السياسي والمخاطر الاستراتيجية

أدى صعود تنظيم داعش واحتلاله نحو ثلث البلاد إلى مزيد من التدهور. فقد تعرض مجمع مصافي بيجي لأضرار جسيمة، وخرجت خطوط أنابيب التصدير العراقية–التركية من شبكة التصدير الشمالية، واضطرت محطات كهرباء ومنشآت أخرى إلى التوقف عن العمل.

بعد هزيمة داعش، أتاح تحسن الأمن للعراق زيادة إنتاج النفط والغاز وإنشاء منشآت إضافية لمعالجة الغاز. ومع ذلك، استمرت الانقسامات السياسية بين الأحزاب الحاكمة.

وازداد انتشار الفساد، واستغرق تشكيل الحكومات بعد الانتخابات أشهراً عديدة، كما استمرت الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن إدارة النفط وحصص الموازنة لسنوات.

أصبح تنفيذ المشاريع، نتيجة لذلك، أبطأ وأكثر كلفة.

وأظهرت التحقيقات والملاحقات القضائية التي شملت مسؤولين في وزارتي النفط والكهرباء وأعضاء في مجلس النواب وهيئات عامة أخرى مدى تغلغل الفساد في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

لا يزال العراق أيضاً يعتمد بدرجة تنطوي على مخاطر جسيمة على عدد محدود من مسارات التصدير. وقد حذرت دراسة نشرتها شبكة الاقتصاديين العراقيين في 15 آب 2022 من العواقب المحتملة المدمرة التي قد يخلّفها إغلاق مضيق هرمز على صناعة النفط والغاز العراقية والاقتصاد بأكمله.

وأكد هذا التحذير درساً أظهرته الحروب السابقة لأول مرة: فالاستقلال في مجال الطاقة لا يتطلب طاقة إنتاجية فحسب، بل يتطلب أيضاً تنويع منافذ التصدير، وبنية تحتية محلية قادرة على الصمود، ومؤسسات كفوءة، وإرادة سياسية لتنفيذ الإصلاح.


مشاهدات 31
الكاتب ثامر عباس الغضبان
أضيف 2026/11/07 - 2:26 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 2:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 241 الشهر 13160 الكلي 16663694
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير