لا ترويج لحالة التحالف بين تل أبيب وواشنطن
إسرائيل تواجه عهداً جديدا من تراجع الدعم الأمريكي بعد الانتخابات
□ القدس, (أ ف ب) - لا تزال ملصقات الحملة الانتخابية الصاخبة لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو معلّقة على الحافلات العامة في إسرائيل، من بينها صور تجمعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي الخلفية طائرات حربية محلّقة تمجّد الزعيمين وهما يهاجمان إيران معا.لم يعد أيّ منهما يروّج الآن لحالة التحالف بين البلدين.فبعد أسبوع من انتخابات غير حاسمة بالنسبة لنتانياهو، رفض الأميركيون ترامب بأغلبية ساحقة واختاروا تسليم السيطرة على مجلسي الكونغرس للديمقراطيين الذين يريدون نهجا أكثر صرامة تجاه إسرائيل، سواء بشأن إيران أو غزة أو عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
نقطة تحوّل
تبدو الانتخابات المتتالية في البلدين في نظر كثير من المراقبين نقطة تحوّل، إذ لم يعد بإمكان إسرائيل أن تعتبر أمرا مسلّما به الغطاء الذي توفره أقوى دولة في العالم.وتقول الخبيرة في الشؤون الأميركية في جامعة تل أبيب ياعيل سترنهل “هذه حقبة جديدة. تزامن حرب غزة والحرب مع إيران غيّر حقا نظرة الأميركيين العاديين، وليس الأشخاص المعنيين بشكل خاص بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلى إسرائيل».
وفي تقييمه لأسباب الأداء الضعيف للجمهوريين، عدّد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أربعة سبل لاستعادة تأييد الناخبين، من بينها إنهاء الحرب مع إيران وتغيير “علاقتنا مع إسرائيل».لم يعترض ترامب. فمع بدء عملية التصويت الثلاثاء، قال ترامب إنه اتفق مع نتانياهو على إنهاء المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل البالغة 3,8 مليارات دولار بحلول نهاية هذا العام، رابطا هذا القرار صراحة بالمناخ السياسي في الولايات المتحدة.وكان نتانياهو، أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاء في المنصب والذي خدم على نحو متقطع لما يقرب من عقدين، سعى جاهدا للحصول على تأييد ترامب، لكنه أقرّ أيضا بتزايد عزلة بلاده.في الأيام الأخيرة من الحملة، اقترح أن تلجأ إسرائيل إلى العملات الرقمية المشفرة للالتفاف على العقوبات الدولية التي توقع أن تتصاعد.لم يعلّق نتانياهو على الانتخابات الأميركية أو على تصريحات ترامب بشأن المساعدات.وكتب الصحافي عميت سيغال، المعروف بقربه من نتانياهو، أن الوضع السياسي في الولايات المتحدة يشكّل “كارثة” بالنسبة لإسرائيل.في المقابل، قدّم منافس نتانياهو المعارض غادي آيزنكوت نفسه على أنه قادر على إصلاح العلاقات.في بيان باللغة الإنجليزية، قال رئيس الأركان السابق الذي يحاول جمع ائتلاف لإزاحة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، إنه يؤمن بـ”القيم الليبرالية” ويرغب كذلك في العمل “عن كثب وبشكل بنّاء” مع ترامب.
ودعا يائير غولان، الزعيم الرئيسي لتيار اليسار داخل تكتل آيزنكوت، إلى أن تستعيد إسرائيل نهجا حزبيا مزدوجا دمره نتانياهو الذي روّج على حدّ قوله لـ”سردية إسرائيلية مدمّرة عن حرب أبدية وحكم سلطوي».وتفاخر نتانياهو في حملته بأنه وقف في وجه رؤساء ديموقراطيين، من بينهم باراك أوباما الذي لا يزال بطلا بالنسبة لكثير من الديمقراطيين. فقبل عقد من الزمن، اصطف نتانياهو علنا مع الجمهوريين لمهاجمة دبلوماسية أوباما بشأن إيران.وتقول سترنهِل “نتانياهو بالتأكيد يثير حفيظة الديمقراطيين وهو بذل كل جهد ممكن لإثارة عدائهم».
دعم الراي
وتضيف “لكن لا يمكن لآيزنكوت أن يكون مجرد رجل ألطف كي يحظى بنهج أكثر ليونة من هذا الكونغرس الجديد. سيحتاج إلى سياسات جديدة».وترى أن آيزنكوت سيحظى على الأرجح بدعم الرأي العام الإسرائيلي في ما يتعلق بقمع المستوطنين المتطرفين الذين يهاجمون الفلسطينيين في الضفة الغربية من دون أن يواجهوا عمليا أي عقاب.لكن إسرائيل اتجهت نحو اليمين، مع دعم واسع في البداية لحرب غزة.وينضمّ إلى الكونغرس الجديد ديموقراطيون تقدميون مثل عبدول (عبد الرحمن) السيد، أول مسلم يُنتخب في مجلس الشيوخ، يصفون الدمار في غزة بأنه إبادة جماعية، وهو توصيف ترفضه إسرائيل.ويقول إيلي كوفاز، مدير السياسات في مؤسسة التعاون الاقتصادي، وهي مركز أبحاث إسرائيلي يدعم حل الدولتين مع الفلسطينيين، “راهن نتانياهو ليس فقط على الجمهوريين، بل تقريبا على ترامب شخصيا».ويضيف “تُظهر هذه النتائج أن لهذا الرهان تاريخ انتهاء صلاحية. كذلك، وللمرة الأولى في الحقيقة، أعتقد أن هناك إدراكا أن الأمر لا يتعلق بالديموقراطيين فقط، بل أن هناك مشكلة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية».ويقول إيهود إيلام الباحث السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية إنه من دون المساعدة الأميركية، لا تزال إسرائيل تمتلك صناعتها العسكرية الكبرى الخاصة بها وتحتفظ بأفضلية واضحة في القتال ضد الجهات غير الحكومية مثل حماس وحزب الله.لكنّه يرى أنه سيتحتم على إسرائيل الاعتماد أكثر على مدفعية أقل تكلفة أو قنابل غير متطورة، ما يزيد من مخاطر سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما أثار غضب الرأي العام الدولي.ويقول إيلام “يمكن لإسرائيل أن تتكيّف مع واقع استراتيجي جديد تفقد فيه الكثير أو حتى كل المساعدات العسكرية الأميركية، لكن ذلك سيكون صعبا عليها. سيجبرها على النظر في خيارات صعبة مثل الحصول على قروض ضخمة أو زيادة الضرائب».ويحاول آيزنكوت، المدرك لواقع السياسة في واشنطن، أن يُظهر أنه مهتم بالاستقرار الإقليمي والاتفاقات الاستراتيجية وليس فقط بـ”حالة حرب غير محددة المدة”، وفقا لإيلام.ويضيف “إنه بالتأكيد يطرح رؤية مختلفة لعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة.»