الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأمم تُطفئ مصابيحها

← بواسطة azzaman

الأمم تُطفئ مصابيحها

عدي حسن محمود

 

حين تُهان القامات العلمية، لا يكون السقوط سقوط أشخاص، بل سقوط معايير أمة بأكملها.

فالأمم التي لا تعرف قيمة علمائها، ولا تحفظ لأهل الفكر والمعرفة مكانتهم، إنما تفتح أبوابها للسطحية، وتمنح الضجيج مكانةً لا يستحقها، بينما تُقصي العقول التي أفنت أعمارها في بناء الوعي وصناعة الأجيال.

إنَّ احترام العالم ليس مجاملةً لشخصه، بل احترامٌ للعلم الذي يحمله، وللرسالة التي يؤديها، وللأثر الذي يتركه في عقول الناس. وما أقسى أن يصبح صاحب العلم موضع استهانة، وأن يُحتفى بمن يملك القدرة على إثارة الجدل أكثر ممن يملك القدرة على صناعة الفكر!

إنَّ المجتمعات لا تنهض بكثرة المتحدثين، بل بإنصاف العقول، ولا تتقدم بإسكات أهل المعرفة، بل بإعلاء شأنهم.

فإذا اختلّت موازين التقدير، وغابت هيبة العلم، فاعلم أن الخلل لم يعد في الأفراد وحدهم، بل في منظومةٍ تحتاج إلى مراجعة جادة تعيد للعلم مكانته، وللمعلم هيبته، وللمثقف اعتباره.

فالأمم التي تُكرم علماءها تحفظ مستقبلها، والأمم التي تستهين بهم تُفرّط بأعظم ما تملك، ألا وهي عقولها.

 فحينما تسقط هيبة العلم... من ينهض بوعي الأمة؟

ليست أخطر الأزمات التي تواجه الأمم أزمات الاقتصاد والسياسة فحسب، بل تلك التي تصيب منظومة القيم، حين تختل موازين التقدير، فيُهمَّش أصحاب العقول، وتُنتقص مكانة العلماء، ويُمنح أصحاب الضجيج مساحةً تفوق ما يُمنح لأصحاب المعرفة.

إنَّ الأمة التي لا تُحسن الوقوف إجلالًا أمام علمائها، ولا تعرف كيف تصون كرامة مفكريها، إنما ترتكب بحق مستقبلها جنايةً لا تظهر آثارها في يومٍ أو عام، بل تتراكم حتى تصبح عجزًا في الفكر، ووهنًا في الوعي، وتصحرًا في الثقافة.

فالعالِم ليس لقبًا يُعلّق على الأسماء، ولا مكانةً تُستجدى من الآخرين؛ إنَّما هو عمرٌ من البحث، وسنواتٌ من الصبر، وعقلٌ نذر نفسه لإضاءة دروب المعرفة.

والمعلم ليس موظفًا يؤدي ساعاتٍ من العمل، بل هو صانع الوعي، وباني الإنسان، واليد التي تمتد إلى المستقبل من خلال عقول الناشئة.

ومن المؤسف أن يصبح الانتقاص من أهل العلم أمرًا عابرًا، وأن تمر الإساءة إلى الرموز الأكاديمية دون وقفة تليق بحجمها؛ وكأننا لم ندرك بعد أن احترام العلم يبدأ من احترام حملته، وأن كرامة المؤسسات التعليمية من كرامة من ينتمون إليها.

إنّنا لا نطالب بتقديس الأشخاص، فالعلماء بشرٌ يصيبون ويخطئون، ولكننا نطالب بإنصافهم، وبأن يكون النقد علميًّا، والاختلاف أخلاقيًّا، والتقدير قائمًا على الاستحقاق لا على المصالح والأهواء.

إنَّ أخطر ما يمكن أن تفعله أمةٌ بنفسها أن تجعل من الجهل أمرًا مألوفًا، ومن السطحية معيارًا، ومن إهانة أهل الفكر مشهدًا عاديًّا.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالعقول التي تفكر، والأقلام التي تكتب، والمعلمين الذين يغرسون، والعلماء الذين يضيئون.

وحين نستعيد للعلم هيبته، وللمعلم مكانته، وللعالم قدره، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق النهوض.فاحفظوا للعلماء أقدارهم، فإن الأمم التي تُطفئ مصابيحها لا يحق لها أن تشكو عتمة الطريق.

 

 


مشاهدات 29
الكاتب عدي حسن محمود
أضيف 2026/11/07 - 2:24 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 2:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 241 الشهر 13160 الكلي 16663694
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير