الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مشاهير المهنة أم محترفو الوهم؟ 

← بواسطة azzaman

مشاهير المهنة أم محترفو الوهم؟ 

العلاء صلاح عادل 

 

نشاهد بين الحين والآخر ظاهرة آخذة بالاتساع على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة تيك توك ، تتمثل في ظهور محامين وأطباء، بل وحتى أساتذة جامعات، يقدمون أنفسهم بوصفهم مرجعيات علمية ومهنية لا يرقى إليها الشك، وسط مبالغات في الطرح واستعراض للذات وحديث متكرر عن الإنجازات الشخصية، حتى ليخيّل إلى المتلقي أن بعضهم لم يكتفِ بما حققه في عصرنا، بل كان من محرري الأندلس وصنّاع تاريخها! ولعل المشكلة لا تكمن في ظهور أصحاب المهن والاختصاصات على منصات التواصل الاجتماعي، فالحضور الرقمي أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر، بل في الكيفية التي يُقدَّم بها هذا الحضور، وفي تحويل المعرفة من مسؤولية علمية وأخلاقية إلى وسيلة لاستعراض الذات وجمع المشاهدات والإعجابات والمتابعين.

والأخطر من ذلك هو حجم المعلومات المغلوطة التي تُطرح أحياناً بثقة مفرطة، وكأنها حقائق علمية وقانونية وأكاديمية لا تقبل النقاش، في حين أن بعضها يفتقر إلى أبسط معايير الدقة والتوثيق.

والمفارقة أن من يطرح هذه المعلومات قد يستند إلى لقبه المهني أو درجته العلمية لإضفاء الشرعية على حديثه، متناسياً أن اللقب لا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ، وأن الاختصاص الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بحجم التفاعل، ولا بالقدرة على صناعة الجدل.

فليس كل من ارتدى المعطف الأبيض أصبح مرجعاً طبياً، ولا كل من تحدث بلغة القانون أصبح فقيهاً في التشريع، ولا كل من حمل لقباً أكاديمياً بات عالماً في جميع التخصصات، فالمعرفة الحقيقية تقوم على البحث والتجربة والدليل، لا على نبرة الصوت المرتفعة أو الثقة المصطنعة أمام عدسة الهاتف.

وما يثير الاستغراب أن بعض هؤلاء لم يعد يكتفي بالحديث في مجال اختصاصه، بل أصبح يفتي في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والطب والقانون، وكأنه موسوعة معرفية متحركة لا يجهل شيئاً ولا يخطئ في شيء، وهنا تتحول المنصة من فضاء لنشر المعرفة إلى ساحة لتسويق الأوهام، ويصبح الاستعراض بديلاً عن التخصص، والشهرة بديلاً عن الكفاءة.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من وعي الجمهور، فالمشاهد والمتلقي اليوم يمتلكان أدوات أوسع للمقارنة والتحقق والبحث، وبات كثيرون قادرين على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة، وبين صاحب الاختصاص الحقيقي ومن يتخذ من لقبه وسيلة لصناعة الشهرة، لكن هذا الوعي ليس متساوياً لدى الجميع، ولذلك تبقى خطورة التضليل قائمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلومات تمس صحة الإنسان وحقوقه ومستقبله. إننا لا نعترض على أن يكون المحامي أو الطبيب أو الأستاذ الجامعي صانع محتوى، بل نرحب بكل من يوظف معرفته لخدمة المجتمع وتبسيط العلوم ونشر الثقافة، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول صاحب الاختصاص إلى ممثل يؤدي دور العالم، وعندما تصبح الكاميرا أهم من المعلومة، والمشاهدات أهم من الحقيقة، والظهور الإعلامي غاية تتقدم على الأمانة المهنية. إن القيمة الحقيقية للأستاذ الجامعي ليست في عدد مشاهدات مقاطعه، ولا قيمة الطبيب في عدد متابعيه، ولا مكانة المحامي في قدرته على إثارة الجدل، وإنما في علمهم وكفاءتهم وأخلاقياتهم وما يقدمونه من منفعة حقيقية للمجتمع.

وفي النهاية، علينا أن ندرك أن منصات التواصل الاجتماعي قد تصنع مشهوراً خلال ساعات، لكنها لا تستطيع أن تصنع عالماً حقيقياً خلال المدة نفسها، فالعلم يحتاج إلى سنوات من الدراسة والبحث والتراكم المعرفي، أما الشهرة فقد تحتاج إلى مقطع قصير وخوارزمية تمنحه الانتشار.

وليس كل مشهور متخصصاً، وليس كل متخصص عالماً، وليس كل من يتحدث بثقة يقول الحقيقة، فاحذروا أن تتحول الألقاب العلمية والمهنية إلى واجهات لتسويق الوهم، وأن يصبح عدد المتابعين معياراً للحقيقة بدلاً من الدليل والمعرفة، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الجهل وحده، بل الجهل الذي يرتدي ثوب العلم ويتحدث باسم الاختصاص.

 

 


مشاهدات 29
الكاتب العلاء صلاح عادل 
أضيف 2026/11/07 - 2:31 AM
آخر تحديث 2026/11/07 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 264 الشهر 13183 الكلي 16663717
الوقت الآن
السبت 2026/11/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير