تحالف عنصري تفضحه كرة القدم
حسن عبيد عيسى
لم يكن ما حصل خلال مباريات مصر والأرجنتين في بطولة كأس العالم الحالية ،وليد ساعته..فليس رفع العلم الفلسطيني من قبل حسام حسن مدرب الفريق المصري هو سبب تلك النتيجة التي تعمّد فيها حكم المباراة الفرنسي سلب الفوز المؤكد والمستحق من المنتخب المصري وتقديمه على طبق من التملق الى منتخب الإرجنتين ،والذي سيبقى وصمة عار في جبين الإتحاد الدولي لكرة القدم ..فما حصل ليس غير نتيجة لعمل دؤوب من تحالف عنصري بين النخبة السياسية الأرجنتينية الحاكمة وتل أبيب..
فالغالبية من الشعب الإرجنتيني مساند للقضية الفلسطينية ،وكانت الإرجنتين في عهد رئيستها (الأسبق) قد إعترفت بفلسطين دولة مستقلة منذ عام 2010..ولم تكتف تلك الرئيسة المنصفة بذلك، بل وقفت سنة 2015 لتلقي خطاباً نارياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة إنتصرت فيه لقضية فلسطين ، فاضحة ممارسات العنصريين الصهاينة. في تلك الحقبة جرى استطلاع رأي لمعرفة حظوظ الراغبين في إعتلاء الكرسي الأعلى في البلاد ،ففاز لاعب كرة القدم ميسي بسبعة وثلاثين بالمائة من نسبة المستطلعة آرائهم ،بينما حصل مرشح يميني متطرف إسمه خافيير جيراردو ميلي بنسبة 12 بالمئة فقط (المذكور هو الرئيس الحالي للأرجنتين).
ولقد خرجت جموع الشعب الإرجنتيني منذ العدوان على غزة في تشرين الثاني 2023 منددة بالإبادة الجماعية التي يمارسها جيش الإحتلال سواء بالقتل أو التجويع أو الحرمان من الرعاية الصحية.وسوى ذلك من سبل سيئة ووسائل بشعة.مما يدل على أن هوى الشعب الإرجنتيني مع قضية فلسطين وضد القهر الصهيوني لشعبها.
تجار مخدرات
الا أنه ومع إرهاصات الإبادة التي تعرضت لها غزة ،فاز هذا الرجل 0(خافيير ميلي) بعد أن وضع كل ثقله في كفة أميركا والصهيونية ،وما أن فاز حتى رفع علم الكيان ملوحاً به ،مما أوحى بأن ثمة أمور جرت جعلت حظوظه تتفوق على حظوظ خصومه ففاز بالرئاسة على الرغم من كونه متساهلاً مع تجار المخدرات ،ومشجعاً وداعماً للمثليين (الرجل لم يتزوج على الرغم من أنه تجاوز الخامسة والخمسين من العمر) .
وتعبيرا عن إمتنان الرجل ذو الأصول الطليانية ، للإسناد الصهيوني فقد أعلن أنه أكثر رؤساء العالم صهيونيةً على الرغم من كاثوليكيته ،وأن القدس ستكون وجهته الخارجية الأولى ، مع وعد بأنه سينقل سفارة بلاده من تل أبيب الى القدس.الا أن معارضة الغالبية البرلمانية حالت دون ايفائه بوعد نقل السفارة وظل ينتظر ظرفاً ملائماً. وما يعرف عنه أن كاثوليكيته لم تتفوق على النزوع اليهودي في داخله..فهو مدمن على قراءة أسفار العهد القديم ،ويزور قبر حاخام أروذوكسي بإستمرار ،وأعلن أكثر من مرة عن رغبته في التحول الى الديانة اليهودية ،الا أن ما يحول دون تحقيق رغبته هو حرمة يوم السبت التي قد يخفق في مراعاتها فيما إذا اصبح رئيساً للبلاد. لذا فهو يتماهى مع نتنياهو في إستخدام مصطلحات كالعماليق وغيرها وهو يتحدث عن العرب والمسلمين.
ولم يقف ميلي عند الخطابات وذرف الدموع عند شقوق حائط البراق الذي اعتاد اليهود البكاء عنده ،والرقص مع الحاخامات..وإنما شجّع شبان الإرجنتين من الراغبين في الإنغماس بالإبادة على التطوع كمرتزقة للقتال تحت راية جيش الإحتلال ،فثمة ما يعرف بالسرية الأرجنتينية ،تعمل الآن مع مرتزقة آخرين من دول أخرى على مشارف بنت جبيل بجنوب لبنان.
ولقد كشفت منصة كانال ريد الإسبانية بالتعاون مع جهات أخرى ،نفذت عملياً تنصتاً واستراق سمع ،أن ميلي ساهم في تمويل صحافة رقمية تهدف الى زعزعة الأوضاع في المكسيك وكولومبيا عقابا لهما على مواقفهما من الإبادة الجماعية في غزة. ونذكّر أن ابنة الرئيس الكولمبي إحتفلت مؤخراً بتخرجها وهي ترفع العلم الفلسطيني.
فماذا حصل في عهده؟..لقد حصلت كارثة قد ترقى الى مستوى التغيير الديمغرافي في تلك البلاد بسبب ميوله الصهيونية..فثمة بقعة أرض تدعى باتاغونيا ،تبلغ مساحتها مئات آلاف الهكتارات ، تُعد من أجمل بقاع أميركا الجنوبية تعرضت الى حرائق مهولة ،لم تترك فيها حتى الأشجار المعمرة والمراعي الثمينة وأن رويترز قدّرت المساحة المحروقة بضعف مساحة العاصمة بوينس آيرس .وكأرقام لوحدات القياس ،فالمُكثر يقول أن المساحة المحروقة تقدر بخمسين ألف هكتاراً ،والمُقل يرى أنها خمسة عشر ألف هكتاراً.،فمن كان وراء تلك الحرائق وما كان غرضه؟.
كيان صهيوني
لقد وضع بعض الجنرالات والسياسيين ،أصبعهم على موضع العلة وشخّصوا الحال بدقة فهذا الجنرال سيزار ميلاني ،نائب رئيس أركان الجيش السابق بدأ بالتلميح ،عندما نشر صورة الرئيس خافيير ميلي يلوّح بعلم الكيان الصهيوني وكتب تحتها :دولة أجنبية تحرق باتاغونيا..
وبعد أن تفاقمت الحرائق ،فأنه عمد الى التصريح بأن سياحاً «إسرائيليين» هم من أحرق بتاغونيا..وعلى نهجه سار السياسي المعارض لويس دي إليا الذي صرح قائلاً «الإسرائيليون» يتجولون في باتاغونيا ويحرقون غاباتها . ثم برز الدليل القاطع عندما عثرت فرق الإطفاء في مواقع من الغابات ،على قنابل من طراز M26 وهي صناعة إسرائيلية وتسمى (القنبلة الليمونة)..أما الإعلامية الأرجنتينية مارسيلا ثيودال فقد أشارت الى أن لديها معلومات عن مشاهدة شخصين «إسرائيليين» في منطقة بباتاغونيا قبل أن تنشب الحراق في تلك المنطقة بوقت قليل.
الا أنها وقد تعرضت الى ضغوط لم تفصح عن حقيقتها ،إضطرت الى التراجع وشطب ما نشرته، مع وجود مقطع فيديو صوّره شاب هاو لسائيحين «إسرائيليين» وهما يشعلان النار في منطقة لاغونا توريز وهي منطقة تحيط ببحيرة متجمدة تعد من أجمل المناطق التي يقصدها السياح. ولربما أشارت ثيودال الى السائحين الظاهرين في الفيديو..وقد ضبط إسرائيليون غير هذين يشعلان الحراق في أشجار متنزه لوس غلاسياريس وهو أكبر متنزه وطني في الإرجنتين.
عموما فإن رئيس الإرجنتين متهم بعدة تهم ضمن حيثيات هذه القضية..منها أنه سهّل للصهاينة القدوم والقيام بإشعال الحرائق ،وأنه غيّر التشريعات التي لا تٌجيز بيع الأراضي التي تعرضت للحرق مما سهل للصهاينة شرائها بأبخس الأثمان ..وأن إجراءات التقشف التي أدت الى تسريح أعداد من عمال الإطفاء تسببت بتفاقم الحرائق.
أما الرد الحكومي فكان يعزو الحرائق الى التغير المناخي ..أما من يتهم الرئيس بأنه سهل للصهاينة حرق وشراء الأراضي فإن الحكومة تراهم ضحايا نظرية المؤامرة التي تزعم أن هناك خطة تدعى «خطة أندينيا» والتي تتضمن إقامة دولة يهودية في منطقة غابات باتاغونيا.
ناهيك عن ان الثروة المائية الكامنة تحت أرض الارجنتين ،صارت من بين الإستثمارات الصهيونية هناك ،حيث سعت شركة ميكوروت التي تعمل على سرقة مياه الضفة الغربية الى القدوم الى الإرجنتين والعمل على الاستيلاء على تلك الثروة بمؤازرة الرئيس المتحالف مع الكيان والذي يعمل جاهداً من أجل إشاعة الخصخصة في البلاد..لذا شعر الشعب بخطورة تسلم شركة صهيونية مواردهم المائية وإنها ستبيعهم مياههم ،مما جعلهم يخرجون الى الشوارع ليعبروا عن غضبهم وإستنكارهم ورفضهم لتلك الصفقات المشبوهة.
التشابه العنصري
لا يتنازع إثنان في أن الكيان الصهيوني كيان عنصري ،وإن هناك قرار أممي بذلك (الغي لاحقاً ضمن المد الصهيوني عقب تدمير العراق في 1991)..وإن التطهير العرقي والفصل العنصري من الممارسات المعهودة في سياساته ،والتي توجت بالإبادة الجماعية التي بدأت في قطاع غزة ،ومرت بالضفة الغربية ،وربما لم تنته في جنوب لبنان.
هذا الأمر جعل النخبة السياسية الأرجنتينية الحاكمة شريكة للصهاينة في العنصرية وأعمال الإبادة الجماعية..فالشعب الارجنتيني كان يتألف من العنصر الأبيض وشريكه العنصر الأسود (المُستقدم من أفريقا) وكان للسود الذين عرفوا تاريخياً باسم الإفرو إرجنتينو بصمات بيّنة في صناعة الواقع الثقافي والتراث المادي واللامادي للبلاد ولهم إسهام ملموس في بناء بعض مراحل العاصمة بوينس آيرس ،فهم أصحاب رقصة التانغو وغيرها من فنون والتي تعد الآن رقصة شعبية هناك .الا ان العنصريين ومنذ مائة وخمسين عاما شرعوا بالعمل العنصري ضد السود تمهيدا لإلغاء وجودهم في عموم البلاد ،بعد أن كانوا يشكلون نسباً عالية من السكان فسكان الارجنتين وقتها كانوا لا يتجاوزن مائة وتسعين ألف نسمة ،يشكل السود حوالي ثلثهم ،أي حوالي 65 ألف نسمة ..فالفكرة السائدة تتمثل في الغاء التنوع السكاني ،والإتجاه نحو عنصر واحد هو العنصر الأبيض.
كانت الجريمة الأولى بحق السود ،أن العدادين مُنعوا من إدخال السود في أي إحصاء سكاني منذ سنة 1875..وبالمقابل ،فإن نظاماً جائراً للتجنيد الإجباري طبق بحقهم ،وأن السلطات كانت تزج بهم في أشد المعارك ضراوة ،وخاصة معارك الإستقلال والمعارك الضارية مع البارغواي التي امتدت من 1864 لغاية 1870 وكان السود وقوداً لاستمرارية تلك الحروب.. لذا كانت الخسائر في صفوفهم فادحة ..ولأنهم يعيشون في مناطق يهيمن عليها الفقر ،فلقد تعرضوا الى موجات من الأوبئة ومنها الكوليرا والحمى الصفراء وغيرهما ،ربما كان بعض تلك الأوبئة مقحما ضمن حرب بايولوجية متعمدة لأغراض تهدف الى إبادة السود أبناء تلك المجتمعات والا لماذا لم تفتك تلك الأوبئة بالعنصر الأبيض ؟.،وضمن الإجراءات الناعمة التي نفذت لاحقا ،كان الزواج المختلط أحد أسباب تناقص العنصر الأسود حتى صار تناقص السود يلفت للنظر..
ثمة فعل لا يخطر على بال غير الصهاينة ،نفذه العنصريون الارجنتينيون بحق السود ،وهو ما دعته الناشطة الأرجنتينية آشلي ذا بارونس بالمحو..فلقد عمد هؤلاء الى محو أي ذكر للسود ،ليس من السجلات وجداول التعداد فحسب ،بل من الذاكرة الجمعية لأنهم يريدون أن يبلغوا مرحلة الغاء الوجود الأسود من مخيلة الأجيال اللاحقة وبذا فإن الوصف المطابق للحقيقة لما جرى ،هو إبادة جماعية كما رأتها الناشطة ذا بارونس . وهذا ما سعى ويسعى اليه الصهاينة مع الشعب الفلسطيني المضطهد.
بالمقابل ،فإن السلطات العنصرية لم تكتف بفتح أبواب الهجرة للأوربيين وتحديداً من أسبانيا وإيطاليا (التي يعود أصل الرئيس الحالي اليها) ،وأنما سعت جاهدة لرفع نسبة تلك الهجرة والتشجيع عليها حد الإغراء. .وكان رائد هذا التوجه رجل الدولة المفكر والكاتب دومنغوا فاوستينو سارمينتو الذي صار سابع رئيس للبلاد ويُعد من الرموز الوطنية الكبرى .فالرجل ساح في الولايات المتحدة وأوربا ،وكان يسعى جاداً الى تغليب العنصر الأبيض في بلاده ،وجعله بلدا لشعب أبيض ،مثل الدول الأوربية التي زارها.
فإذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن عدد سكان الإرجنتين لسنة 2026 هو 46 مليون نسمة ، فإنه يفترض أن يكون عدد السود منهم خمسة عشر مليون وخمسمائة الف نسمة ،مع إسقاط أن نسبة النمو السكاني عندهم أكثر مما عند المهاجرين الأوربيين ،ولكن الصدمة في الحقيقة ،فعدد السكان السود الآن لا يتعدى مائة وسبعين ألف نسمة ونسبتهم الى مجموع السكان بحدود 1%..فأين ذهب الباقون؟..
فمن يتولى الأمور الآن في الإرجنتين ،هم ورثة أولئك العنصريين وخلفاؤهم ،إذ بقيت النظرة العنصرية هي المتحكمة في سلوك وفكر هؤلاء ..وللمثال نقول :إن الرياضة هي المجال الذي ترتقي فيه أرواح الناس فوق الآيدولوجيات والمشاعر الدينية وغيرها ،ولكن هل نجد ذلك في الفرق الرياضية الأرجنتينية؟.. الجواب كلا..فالرياضة الإرجنتينية رياضة عنصرية بإمتياز ،والدليل انك تجد لاعبين سود في منتخبات فرنسا (أغلبيته لاعبون سود ربما عددهم 10 لاعبين يقودهم أمبابي ) وألمانيا(ثلاثة لاعبين) وانكلترا (أكثر من ست لاعبين سود).
فلا عجب أن تجد اللاعب الأرجنتيني الأعلى صياً والأهم حضوراً ،يقف بخشوع عند حائط البراق مرتدياً القلنسوة اليهودية ،ولربما زار القدس أربع مرات .
ما يشغل الناس الآن هو ما حصل في المباراة التي جمعت منتخبي مصر والأرجنتين ، والتي إستبقها حسام حسن مدرب المنتخب المصري برفعه علم فلسطين عالياً ..مما أغاض المضيفين والصهاينة وأحفاد العنصريين الإرجنتينيين ،وعُدّ الأمر (لاسامية) مقيتة ،ورفعت مطالب لمعاقبة حسام ..الا أن الاتحاد الدولي لم ير غضاضة في فعله ذك كون فلسطين دولة عضو في إتحاده .
المصيبة ،جاءت على شكل عقوبة تنطوي على حقد دفين عندما إنحاز حكم المباراة الفرنسي فرانسوا ليتكسييه متماهياً مع عنصريي الإرجنتين والصهاينة الذين كانوا يملأون ساحة المدن المحتلة متهيئين لاحتفال ،لا بفوز حليفتهم الإرجنتين ،ولكن بخسارة المنتخب المصري ،إذ الحكم الى إلغاء هدف صحيح سجله اللاعب المصري مصطفى زيكو ،وان رئيس لجنة حكام الفيفا أكد صحة الهدف. بينما لم تحتسب ضربة جزاء مؤكدة لصالح محمد صلاح ،حسب رأي المراقبين الرياضيين.
وحتى يظهر أبناء النخبة العنصرية الأرجنتينية ولاءهم للكيان الغاصب ،فإنهم فاجأوا الجمهور والمنتخب المصري ،باظهارهم علم الكيان وتصديهم لحسام حسن وكأنهم يردون على رفعه علم فلسطين ..
انه تحالف العنصريين الذي فضحته مباراة كرم القدم.