الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هيثم صبحي يزرع وطناً في جيوب الأطفال

بواسطة azzaman

هيثم صبحي يزرع وطناً في جيوب الأطفال

إحدى عشرة قصيدة بعناوين تحمل ملامح درس وأغنية

 

بغداد - علي الدليمي

حين يكتب شاعر كبير للأطفال، فهو لا يبسط اللغة فقط، بل يكبّر العالم. وهذا ما فعله هيثم صبحي في مجموعته القصصية الشعرية الجديدة، التي صدرت مؤخراً، عن دار المتن في بغداد، والتي ضمت إحدى عشرة قصيدة، جاءت بعناوين تحمل ملامح درس وأغنية في آن: وطن في أطفال، درس الصمت، كتبت العصفورة، حكايات القمر الجميل، محبة الأصدقاء، مقاومة، زادني حبا، علم المحبة، هذا هو العراق، العازف الفنان، والأنبياء.

و صبحي ليس طارئاً على فضاء الطفولة، سبق له أن أصدر سبع مجاميع شعرية، وعشرين مجموعة قصائد للكبار، لكنه في هذا العمل عاد إلى المنبع الأول: البراءة.. استلهم قصائده من عالم الأطفال الملون بالحب والعفوية والتعاون والسلام، فخرجت الكلمات خفيفة كريشة، وعميقة كسؤال. العنوان الأول وطن في أطفال يضع المفتاح. لا يتحدث الشاعر عن الوطن كخريطة، بل كضحكة في مدرسة: (من فرح غنى وطن/ للأطفال/ أنتم شمعة الآمال/ هلا.. يا هلا/ بجونا البديع/ بأزهار الربيع/ حضارة النور/ في كل بيت يدور/ يدور...) يبرز حضور الطبيعة بقوة. في كتبت العصفورة تتحول الطيور إلى كاتبات صغيرات، تنقل أخبار الشمس إلى النوافذ. وفي حكايات القمر الجميل يصبح القمر راوياً ليلياً لا يخيف، بل يؤنس. صبحي لا يستخدم الطبيعة كخلفية، بل كشريك في الحكاية، كائناً يتكلم ويضحك ويخطئ ويتعلم.

أما محور العلاقات الإنسانية فيحضر بصفاء.. محبة الأصدقاء قصيدة: (لكي نكون فوق القمم/ فوق القمم/ الحب فينا أحلى نغم/ محبة الأصدقاء/ كالنور والهواء....)

عن اليد الممدودة في وقت الشدة، عن القسمة العادلة للحلوى وللحزن. وزادني حبا: (زادني حبا/ حين في صديقي رأيت/ نبع الوفاء/ في بهجة وسرور/ كالعصافير والطيور/ نحلق في جو السماء/ زادني حبا على حب...)  تعترف بأن الطفل يعلّم الكبار أيضاً، وأن القلب يكبر حين يحب بلا شروط. في علم المحبة يرفع الشاعر هذا الشعور إلى راية، لا راية حرب، بل راية مدرسة.

ولا يغيب الوجع، في مقاومة: (أفعى شريرة/ وثعالب جبان/ افتعلوا الضجيج/ أرادوا هدم حدائقنا الجميلة/ بظلم العدوان/ غير أن أطيارنا/ وأجمل أزهارنا...)

يتحدث صبحي بلغة يفهمها الطفل دون أن يخيفه: المقاومة هي أن تزرع وردة مكان رصاصة، أن ترسم شمساً على جدار مكسور. ثم يأتي هذا هو العراق ليقدم الوطن بعيون طفل: نهر، نخلة، أغنية أم، وبيت مفتوح للضيف. لا شعارات، فقط تفاصيل تعيش.

يخصص الشاعر مساحة للجمال والفن في - العازف الفنان-، حيث الموسيقى ليست ترفاً بل لغة ثانية للفرح: (تلا/ تلا/ أعزف أحلى الألحان/ بصوت عذب رنان/ أطوف بـ الأغاني/ أرسم حبا في كل مكان/لأنني.. لأنني فنان/ تلا .. تلا...).

ويختم المجموعة بـ «الأنبياء»، فيدخل إلى عالم القيم الكبرى من باب الحكاية، لا من باب الخطبة، يتحدث عن الرحمة والصدق والعدل كما لو كان يحكي عن جيران طيبين: (الأنبياء/ حملوا لنا من الله/ رسائل السماء/ علمونا أن الخير عطاء/ وان الشر وباء/ درس الأخلاق علمونا/ العلم نور/ والروضة الخضراء...).

ما يميز لغة هيثم صبحي هنا هو اقتصادها. جمل قصيرة، إيقاع موسيقي واضح، وصور بصرية مباشرة، لا يشرح كثيراً، يترك للخيال مساحة.. الطفل سيقرأ عن عصفورة تكتب، وسيصدق، لأنه لم يفقد بعد القدرة على تصديق المستحيل الجميل.

المجموعة لا تكتفي بالترفيه، هي مشروع تربوي ناعم.. تتحدث عن التعاون بلا درس مباشر، وعن السلام بلا خطابة، وعن الهوية بلا تلقين. تقدم قيماً كبرى في قوالب صغيرة تناسب عقل الطفل وقلبه. بإصدار هذه المجموعة، يضيف هيثم صبحي لبنة جديدة إلى مشروعه الشعري الطويل، حيث يعود ليذكرنا أن الشعر يبدأ من حيث يبدأ الإنسان: من الطفولة. في زمن تكثر فيه الشاشات وتقل فيه الحكايات، يمنحنا صبحي كتاباً يمكن أن يُقرأ قبل النوم، وفي الصف، وفي باص المدرسة. كتاب لا يعلّم الأطفال كيف يكبرون بسرعة، بل كيف يحتفظون بطفولتهم وهم يكبرون.

وطن في أطفال ليست مجرد قصائد.. هي محاولة لزرع وطن داخل الجيوب الصغيرة، وطن لا يحمله الجندي، بل تحمله عصفورة، وقمر، وصديق، وأغنية.


مشاهدات 58
أضيف 2026/07/13 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 3:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 14175 الكلي 15919302
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير