الأغلبية تغادر هاجس الماضي
حسن الحيدري
لا يختلف اثنان على حجم التحديات الامنية التي مر بها العراق خلال العقدين الماضيين ولا سيما بعد عام 2006 عندما اندلعت شرارة الحرب الطائفية التي تركت آثارا عميقة في المجتمع العراقي فما زالت ذاكرة البغداديين تحتفظ بمشاهد الكتل الكونكريتية التي فصلت بين الاحياء والمناطق المتلاصقة سيامياً على مر دجلة في مشهد عكس حجم المخاوف الامنية والانقسامات التي شهدتها البلاد آنذاك
ولم تكد تلك المرحلة تنتهي حتى واجه العراق تحديا اكثر خطورة مع سقوط عدد من المحافظات بيد التنظيمات الارهابية عام 2014 وما رافق ذلك من احداث مولمة كان من ابرزها استشهاد اعداد كبيرة من طلاب معسكر لم يتم تاهيلهم بعد حتى وجدوا انفسهم في مواجهة غير متكافئة مع الارهاب وقد شكلت تلك الاحداث واحدة من اكثر المحطات ايلاما في تاريخ العراق الحديث
الا ان العراقيين اثبتوا في المقابل قدرتهم على تجاوز المحن حيث توحدت جهود القوات الامنية بمختلف صنوفها بعد دعم واسناد المتطوعين من ابناء الحشد الشعبي لتتمكن من تحرير الاراضي واستعادة السيطرة عليها واعادة هيبة الدولة ومؤسساتها ولم يكن هذا الانجاز وليد الصدفة بل جاء نتيجة تضحيات جسيمة وارادة وطنية صلبة وضعت مصلحة العراق فوق كل اعتبار
اليوم وبعد مرور سنوات على دحر الارهاب وعودة النبض والحياة لقلب تلك المدن بدت الصورة الامنية اكثر وضوحا واستقرارا فالمؤسسات الامنية اكتسبت خبرات واسعة واصبحت اكثر قدرة على مواجهة التحديات والتهديدات المحتملة كما ان حالة الاستقرار النسبي التي تشهدها البلاد تعكس نجاح الخطط الامنية والتنسيق العالي بين مختلف الاجهزة المختصة فضلا عن التعاون الملحوظ من ابناء تلك المناطق والمحافظات على تعزيز الاستقرار وهيبة الدولة
وفي ظل المتغيرات الاقليمية والدولية المتسارعة بات العالم ينظر الى العراق بوصفه دولة تمتلك مؤسسات دستورية وامنية قادرة على فرض القانون وبسط سلطة الدولة ومن هذا المنطلق تبرز اهمية تعزيز مفهوم حصر السلاح بيد الدولة باعتباره احد المرتكزات الاساسية لترسيخ الاستقرار وبناء الثقة داخليا وخارجيا
وفي هذا السياق برزت مواقف سياسية تدعو الى دعم مؤسسات الدولة وتقوية قدراتها الامنية والعسكرية واوضحها موقف التيار الصدري وتسليم مقراته وسلاحه ومقاتليه بامرة القائد العام بما يعكس ادراكا متزايدا لاهمية الانتقال الى مرحلة تعتمد على قوة الدولة ومؤسساتها الرسمية في حفظ الامن والدفاع عن الوطن فالعراق اليوم يمتلك قوات امنية وعسكرية ذات خبرة وكفاءة مدعومة بإرادة شعبية واسعة ترفض العودة الى حقب الفوضى والاضطراب
ان ما تحقق من انجازات امنية خلال السنوات الماضية يؤكد ان العراقيين قادرون على مواجهة اي تحد مستقبلي من خلال مؤسساتهم الدستورية وقواتهم الامنية دون الحاجة الى العيش تحت هاجس الانتكاسات او المخاوف التي فرضتها ظروف استثنائية في مراحل سابقة كما كما ان مشاركة مختلف المكونات الوطنية في العملية السياسية وفي مؤسسات الدولة عززت من مفهوم الشراكة الوطنية ورسخت أسس الاستقرار
ويبقى الحفاظ على هذه المكتسبات مسؤولية جماعية تتطلب استمرار دعم القوات الامنية وتعزيز سلطة القانون وترسيخ مبدا الدولة القادرة بما يضمن مستقبلا اكثر امنا واستقرارا لجميع العراقيين.....