أول نقد تنبيهي أوجّهه للحكومة
الأزمة المالية .. الأسباب والحلول
ليث شبر
كلنا نعلم أن الأزمة المالية في العراق ليست عجزًا طارئًا في الموازنة، ولا نقصًا مفاجئا في السيولة، ولا نتيجة مباشرة لانخفاض أسعار النفط وحده، أو عدم القدرة على تصديره بسبب ما يجري في مضيق هرمز.
نعم الأزمة المالية حصيلة تراكم طويل لسوء إدارة الدولة للمال العام، وتحويل الريع النفطي من فرصة تاريخية لبناء اقتصاد منتج إلى أداة يومية لشراء السكون، وترضية القوى، وتوسيع الجهاز الحكومي حتى غدا عبئًا على الدولة بدل أن يكون وسيلتها في البناء.
لقد أدارت الحكومات المتعاقبة المال العراقي بعقلية الإنفاق لا الاستثمار، وبذهنية التوزيع لا الإنتاج، وبمنهج الموازنة السنوية لا الرؤية الاقتصادية. فكلما ارتفعت أسعار النفط توسعت الدولة في الرواتب، والعقود، والتعيينات، والمنافع، والامتيازات، والنفقات التشغيلية، حتى إذا انخفض النفط اكتشفت الدولة أنها لا تملك اقتصادًا، بل تملك دفتر رواتب كبيرًا اسمه الموازنة العامة.
هنا جوهر المرض: اقتصاد أحادي الريع، وموازنة أسيرة للنفط، وجهاز إداري متضخم، ومصارف متخلفة، وقطاع خاص هش، وسوق عمل مشوه، ونظام ضريبي ضعيف، وجمارك رخوة، ومنافذ مستباحة، ومشاريع متلكئة، وفساد مركب يبتلع المال قبل أن يتحول إلى خدمة أو إنتاج أو بنية تحتية. إن كتلة الرواتب والتقاعد والرعاية لم تعد بندًا اجتماعيًا فحسب، بل تحولت إلى قيد بنيوي على المالية العامة. فالوظيفة الحكومية في العراق لم تعد تعبيرًا عن حاجة الدولة إلى كفاءة، بل صارت تعويضًا سياسيًا واجتماعيًا عن فشل الاقتصاد في خلق فرص العمل. ومن هنا نشأت البطالة المقنّعة؛ آلاف مؤلفة تذهب إلى مؤسسات لا تحتاجها، وتتقاضى رواتب لا يقابلها إنتاج حقيقي، فيما يبقى الشباب المنتج خارج الدورة الاقتصادية، ينتظر تعيينًا أو عقدًا أو وعدًا انتخابيًا.
وليس أخطر من البطالة المقنّعة إلا الوعي الاقتصادي المشوه الذي أنتجها. فقد ترسخت في المخيال العام فكرة أن الدولة خزان رواتب لا منظومة إنتاج، وأن النفط حق إنفاق لا رأسمال سيادي، وأن الوظيفة ضمانة عيش لا مسؤولية أداء. وهكذا تواطأت الثقافة السياسية مع الثقافة الاجتماعية، فصار الإصلاح المالي يبدو وكأنه عدوان على الناس، مع أنه في حقيقته حماية لهم من انهيار مؤجل.
أما المصارف العراقية، وهي قلب أي اقتصاد حديث، فما زالت في معظمها خارج الزمن المصرفي الحقيقي. بنية مترهلة، ائتمان محدود، امتثال ضعيف، علاقة ملتبسة بالدولار، ضعف في تمويل المشاريع، غياب للثقة، وفجوة واسعة بين النظام المالي العراقي والنظام المالي العالمي. ولذلك بقيت المصارف عندنا أقرب إلى نوافذ تحويل ومضاربة منها إلى مؤسسات تنمية وتمويل وإدارة مخاطر. فلا اقتصاد حديث بلا مصارف حديثة، ولا قطاع خاص بلا ائتمان، ولا استثمار بلا نظام مالي موثوق.
حدود الداخل
ولم تقف الأزمة عند حدود الداخل، بل اتصلت بالخارج عبر ملف الدولار، والامتثال، والعقوبات، والتهريب، وغسل الأموال، والفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي. وهذه ليست قضية نقدية فنية فقط، بل قضية سيادة مالية. فالدولة التي لا تضبط حركة أموالها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك قرارها الاقتصادي، والدولة التي تتحول مصارفها إلى ممرات ملتبسة لا تستطيع أن تبني ثقة المستثمر ولا أن تحمي عملتها ولا أن تستقر في تجارتها الخارجية.
ثم تأتي الجباية بوصفها فضيحة أخرى من فضائح الدولة الريعية. فالعراق لا يعاني من فقر الموارد، بل من فقر الإدارة. الضرائب لا تُدار بعقلية الدولة، الجمارك لا تُحصّل كما ينبغي، المنافذ ليست كلها تحت سلطة واحدة صارمة، أملاك الدولة لا تُستثمر بكفاءة، الرسوم لا تُحوكم بعدالة، والاقتصاد غير المنظم يلتهم مساحة واسعة من النشاط من دون أن يدخل في دورة مالية شفافة. وهكذا يبقى النفط يدفع فاتورة الجميع، بينما تهرب قطاعات كاملة من مسؤوليتها تجاه الدولة.
إن الحل لا يبدأ بضغط الرواتب ولا بتجويع الناس ولا بفرض ضرائب عمياء، بل يبدأ بإعادة تعريف المالية العامة نفسها. المطلوب موازنة إنتاج لا موازنة استهلاك، موازنة برامج لا موازنة أبواب، موازنة أداء لا موازنة محاصصة، موازنة تقيس الأثر لا حجم الإنفاق. فالعبرة ليست كم أنفقت الدولة، بل ماذا أنتج الإنفاق، وكم مدرسة أُنجزت، وكم طريق اكتمل، وكم فرصة عمل خُلقت، وكم خدمة تحسنت، وكم فسادًا أُغلق بابه.
وتبدأ المعالجة من ضبط الإنفاق الجاري، لا بقرار انفعالي، بل بخطة انتقالية عادلة: إيقاف التوسع غير المنتج في التعيينات، مراجعة الهياكل الوظيفية، قياس الإنتاجية، نقل الفائض الإداري إلى قطاعات خدمية وتنموية تحتاج فعلًا إلى عمل، فتح مسارات تدريب وتحويل مهني، وربط الراتب بالأداء تدريجيًا في المواقع القابلة للقياس، مع حماية الفئات الضعيفة وعدم المساس بحقوقها الأساسية.
ثم لا بد من إصلاح مصرفي جذري: إعادة هيكلة المصارف الحكومية، إخضاع المصارف الخاصة لمعايير امتثال صارمة، بناء نظام ائتماني حقيقي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، توسيع الدفع الإلكتروني من دون تحويله إلى جباية جديدة، رقمنة حركة الأموال، إغلاق منافذ التهريب المالي، وربط السياسة النقدية بالسياسة المالية ضمن مجلس اقتصادي أعلى لا يخضع للمزاج السياسي اليومي.
وفي موازاة ذلك ينبغي إطلاق سياسة وطنية لتنويع الإيرادات، تقوم على الضرائب العادلة لا الجباية العشوائية، والجمارك المنضبطة لا المنافذ المتنازعة، واستثمار أملاك الدولة لا تركها للنهب أو الإهمال، وتطوير الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة الدينية والطبية والتعليمية، وربط كل ذلك بخريطة استثمارية واضحة لا بمؤتمرات دعائية تنتهي عند الصور والتصريحات.
اقتصاد حديث
ولا إصلاح ماليًا بلا إصلاح إداري. فالدولة التي تدار بالمحاصصة لا تستطيع أن تدير اقتصادًا حديثًا. كل وزارة تتحول إلى إقطاع سياسي، وكل منصب إلى مورد حزبي، وكل مشروع إلى حصة، وكل عقد إلى باب مساومة.
ومن هنا فإن الأزمة المالية ليست ابنة الاقتصاد وحده، بل ابنة النظام السياسي الذي حوّل المال العام إلى غنيمة، والوظيفة إلى ولاء، والموازنة إلى سوق نفوذ.
لقد وضعت المبادرة الوطنية للإصلاح جوهر الحل منذ البداية: دولة سيادية ذكية، إدارة عامة رصينة، رقابة صارمة على المال، موازنة أداء، حكومة كفاءات، اقتصاد منتج، مصارف حديثة، قطاع خاص شريك لا تابع، وعدالة اجتماعية لا شعبوية مالية. ولم تكن المبادرة تنظر إلى الأزمة بوصفها فجوة حسابية بين الإيراد والإنفاق، بل بوصفها خللًا في فلسفة الحكم ذاتها.
بيد أن الحكومة الحالية، رغم خطورة اللحظة، ما زالت تفكر من داخل صندوق الأزمات. تعالج العجز بالترقيع، والسيولة بالانتظار، والرواتب بالاستدانة، والاستثمار بالتأجيل، والمصارف بالمعالجات الجزئية، والبطالة بمزيد من الوعود. وهي لا تزال تخشى الاقتراب من أصل المرض، لأن أصل المرض سياسي قبل أن يكون ماليًا.
إن العراق لا يحتاج إلى موازنة أكبر، بل إلى عقل أكبر.
لا يحتاج إلى نفط أكثر، بل إلى إدارة أذكى. لا يحتاج إلى حكومة تنفق كي تهدأ الشوارع، بل إلى حكومة تبني كي ينهض المجتمع. فالأزمة المالية ليست قدرًا، ولكن استمرار إدارتها بالعقل ذاته هو القدر الأخطر.
وحين تتحول الدولة من موزع رواتب إلى صانع فرص، ومن مالك نفط إلى مالك رؤية، ومن جهاز مترهل إلى حكومة ذكية، عندها فقط يمكن للعراق أن يغادر حافة الأزمة إلى أفق الدولة. أما أن نبقى ننتظر سعر البرميل، ونؤجل الإصلاح، ونراكم الرواتب، ونستدين من المستقبل، فذلك ليس سياسة مالية؛ إنه تبديد منظم لما تبقى من الزمن.